ثم تقوى المحبة فتصير خُلَّةً، والخلة بين الآدميين أن تكون محبة أحدهما قد تمكنت من صاحبه، حين أسقطت حجاب السرائر بينه وبينه، فصار متخللًا لسرائره، ومطلعًا على ضمائره.
وفي هذا النحو يقول بعض أهل العصر: [من الوافر]
فلا تهجر أخاك بغيرِ جُرمٍ … فإنّ الهجر مفتاح السُّلُو
إذا كتم الخليل أخاه سرًا … فما فضل الصديق على العدو
ويقال: إن الخلة بين الآدميين مأخوذة من تخلل المودة بين اللحم والعظام، واختلاطهما بالمخ والدم، وهذا المعنى غير مخالف للأول، بل هو أوضح سبب له؛ لأن من حلّ من النفس هذا المحل، لم يستبد عنه بأمر، ولا يستظهر عنه بسر.
وقد أنشدونا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا المعنى (١): [من الوافر]
تغلغلَ حُبُّ عثمةَ في فُؤادي … فباديهِ معَ الخافي يسيرُ
شققتُ القلب ثمَّ ذَرَرْتُ فيهِ … هواكِ فِليم فالتام الفُطُورُ
توغل حيث لم يبلغ شَرَابٌ … ولا حُزْنٌ ولم يبلغ سُرورُ
غنى النفس أن ازداد حبًا … ولكنّي إلى وصل فقيرُ
قال أبو بكر (٢): ثم تقوى الخلة، فتوجب الهوى، والهوى اسم لانخراط المحب في محاب المحبوب، وفي التوصل بغير تمالك، ولا ترتيب.
وقال أيضًا: ذكروا أن قيس بن الملوح المجنون العامري رقد ليلة تحت شجرة، فانتبه بتغريد طائر، فأنشأ يقول (٣): [من الطويل]
لقد هتفت في جنح ليل حمامةٌ … على فَنَن تدعو وإني لنائم
فقلتُ اعتذارًا عند ذاكَ وإنَّني … لنفسي فيما قد رأيتُ للائم
أأزعم أني عاشق ذو صبابةٍ … بليلي ولا أبكي وتبكي البهائم
كَذَبتُ وبيت الله لو كنتُ عاشقًا … لما سبقتني بالبكاء الحمائم (٤)
ومنهم:
(١) شعر الفقيه الشاعر، عبيد الله بن عبد الله الهذلي ص ٨١.
(٢) الزهرة ١/ ٣٢٧.
(٣) ديوان مجنون لل ٣٨.
(٤) بعدها بياض بمقدار ٦ أسطر.