وقال أبو بكر (١): زعم بعض المتفلسفين: أن الله عزو وجل خلق كل روح مدورة الشكل على هيأة الكرة، ثم قطعها أنصافًا، فجعل في كل جسد نصفًا، فكل جسد لقي النصف الذي قُطع من النصف الذي كان معها، كان بينهما عشق للمناسبة القديمة. وتقارب أحوال الناس في ذلك بين القوي والضعيف على حسب رقة طبائعهم.
وقد قال جميل بن عبد الله العذري، أو قيس بن ذريح في ذلك (٢): [من الطويل]
تعلّق روحي روحها قبل خلقنا … ومِنْ بعدِ ما كنا نطافًا وفي المَهْدِ
فزادَ كما زِدْنا فأصبح ناميًا … وليس إذا مُتنا بمنتقص العهد
ولكنَّه باقٍ على كل حادث … وزائِرُنا في ظلمة القبرِ واللَّحْدِ
وحكي عن أفلاطون أنه قال: لا أدري ما الهوى، غير أني أعلم أنه جنون إلهي لا محمود، ولا مذموم.
وقال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد، والدماغ له مساكن: التخييل وهو في مقدم الراس، والفكر، وهو في وسطه، والذكر، وهو في مؤخره. وليس يكمل اسم عاشق حتى يكون إذا فارق من يعشقه لم يخل من تخيله وفكره وذكره وقلبه وكبده، فيمنع من الطعام والشراب باشتغال الكبد، ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيّل، والذكر له والفكر فيه، ويكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، فمتى لم يشتغل به وقت الفراق، لم يكن عاشقًا، فإذا لقيه خلت هذه المساكن.
قال أبو بكر (٣): ولعمري لقد أحسن فيما وصف، واحتج لما قال، فانتصف غير أنه ذكر حال العاشق وحده، وترك ذكر أحوال ما قبله، وذلك أن الأحوال التي تتولد عن النظر والسماع والاستحسان تختلف في باب العظم والصغر، فأول ما يتولد عن السماع الاستحسان، ثم يقوى فيصير مودة، والمودة سبب الإرادة، فمن ود إنسانًا ود أن يكون له خلًا. ومن ودّ غرضًا، ودن أن يكون له ملكًا. ثم تقوى المودة، فتصير محبة، والمحبة سبب للطاعة، وفي ذلك يقول محمود الوراق (٤): [من الكامل]
تعصي الإله وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ … هذا محالٌ في القياس بديع
لو كانَ حُبَّكَ صادقًا لأطعتَهُ … إنّ المحب لمن أحبُّ مُطيع