جاء محمد بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك، وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء أبو بكر الحميدي، وكان في تلك الأيام بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى يعني البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت فقال الحميدي: كذبت أنت، وكذب أبوك، وكذبت أمك. وغضب ابن عبد الحكم، فترك مجلس الشافعي، وتقدم مجلس في الطاق، وترك طاقًا بين مجلس الشافعي ومجلسه، وجلس البويطي فيه في الطاق الذي كان فيه يجلس الشافعي.
وقال أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم: رأيت أبي في المنام، فقال لي: يا بني عليك بكتاب البويطي، فليس في الكتب أقل خطًا منه.
وقال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي أنا والمزني، وأبو يعقوب البويطي، فنظر إلينا، فقال لي: أنت تموت في الحديث، وقال للمزني: هذا لو ناظره الشيطان قطعه أو جدله وقال للبويطي: أنت تموت في الحديد قال الربيع: فدخلت على البويطي أيام المحنة، فرأيته مقيدًا إلى أنصاف ساقية، مغلولة يداه إلى عنقه.
وقال الربيع أيضًا: كتب إليَّ أبو يعقوب من السجن أنه ليأتي علي أوقات لا أحس بالحديد أنه على بدني حتى تمسه يدي، فإذا قرأت كتابي، فأحسن خلقك مع أهل حلقتك، واستوص بالغرباء خاصة خيرًا، فكثيرًا ما كنت اسمع الشافعي يتمثل بهذا البيت:[من الطويل]
أهينُ لهم نفسي لأكرِمَها بهم … ولنْ تُكرم النفس التي لا تهينها
توفي يوم الجمعة في رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين في القيد والسجن ببغداد، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: يوم الثلاثاء.
ومنهم:
[٥٧] حَرْمَلَة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي، أبو حفص، المصري (١)
أحد الحفاظ المشاهير من أصحاب الشافعي، وكبار رواة مذهبه الجديد،
(١) ترجمته في: التاريخ لابن معين برواية الدوري ٢/ ١٠٥، والتاريخ الكبير للبخاري ٣/ ٦٩ رقم ٢٤٥، =