أصله من زواوة من بلاد إفريقية، وقدم البلاد كبيرًا، وقد حصل، واشتغل، وصار يعد من الفقهاء، وأقام بمصر واشتغل بها، وحضر فيها الدروس، وزادت نباهته، وظهرت فضيلته، ثم قدم دمشق، وولي بها نيابة الحكم، وصرف القضايا والأحكام بجأش رابط، ونفس قوية في الحق، ودام على هذا مدة، ثم عاد إلى مصر، وأقام بها، وفارقتها، وهو أحد أئمتها الأعلام، وفقهائها الأفاضل، وكنت أسمع فضلاءها إذا ذكر قالوا: هو شيخ المالكية وإليه يرجع فيما أشكل من الفتاوى في مذهب الإمام مالك ﵁، وكان يتردد إليَّ، ويجتمع بي، وهو من أحسن الناس خلقًا وخُلقًا، وأتمهم فضلًا في الفقه، ومشاركة في النحو والعربية، ونظرًا في الهيأة، ومعرفة مقادير الأفلاك، وأشكال الأرض، وأحوال الأقاليم، والبلاد، ووضع المدن، وأحوال الأقاليم الشاسعة والبحار الغامرة.
ولما ألفت هذا الكتاب، وسمع به كان يجيء إلي؛ ليقف على ما انتهى فيه شيئًا بعد شيء، وربما عاملني الإحسان ووقع منه الاستحسان ولقد استفدت منه فوائد في هذا الكتاب، ومعارف لولاها لما قدرت على الدخول من هذا الباب، وسيأتي في مواضع من هذا التأليف مقرأ بما أعزوه من الرواية إليه.
ولم أر في أمثاله من أهل الفقه مثله في التجمل، وحسن الهيأة، ومكارم الأخلاق، اللهم إلا إن كان ابن القوبع. ولقد يحكى عنه من سعة الصدر، وكرم النفس ما يستغرب من المغاربة، ويستبعد وقوعه من نفوسهم المقاربة، ولقد كنت أرى منه، وأسمع عنه ما يملأ العين والأذن، وعهدي به يجتمع هو وابن القاصح أحد فقهاء الشافعية الأخيار، وشيخنا أبو حيان بالمدرسة الصالحية على تخت هناك، ويجري بينهم بحوث مفيدة ومذاكرات جليلة، وربما تخلل ذلك بنكت طريفة، ومداعبات لطيفة.
كان ابن القاصح - على علمه وزهده - تحدثه نفسه بقضاء القضاة، ويظن أنَّ الولاية تأتيه بكرةً أو عشاء، لا يشك في هذا. وعرف هذا منه، فبقي كل متفرغ يأتي إليه، ويقول له: يا سيدي سمعنا بأن السلطان ذكرك، وبلغنا بأن فلانًا شكرك، وأن فلانًا وصفك عند أمراء الدولة وكبرائها، وقيل لنا: إنك ذكرت للقضاء، وذكر معك فلان وفلان، فرجحت عليهم، وعينت دونهم، ومن هذا ومثله مما يعلم القائل أنه ينفق عليه، ويقع موقع الإعجاب منه، وهو يأخذ ما يقال له من هذا بالقبول، وتميل إذنه إليه. وكان شيخنا أبو حيان ينهاه، ولا ينتهي بعذله، ولا يقبل، فاتفق شرف الدين