وقال في موطن آخر:(والتحدي في هذه الآية وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن: إحداهما: النظم والرصف والإيجاز والجزالة، كل ذلك في التعريف بالحقائق، والأخرى: المعاني من الغيب لما مضى ولما يستقبل، وحين تحداهم بعشر مفتريات إنما تحداهم بالنظم وحده.
قال القاضي أبو محمد: هكذا قول جماعة من المتكلمين، وفيه عندي نظر، وكيف يجيء التحدي بمماثلة في الغيوب رداً على قولهم (افتراه)، وما وقع التحدي في الآيتين هذه وآية العشر السور إلا بالنظم والرصف والإيجاز في التعريف بالحقائق، وما ألزموا قط إتياناً بغيب، لأن التحدي بالإعلام بالغيوب كقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ٣]، وكقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ونحو ذلك من غيوب القرآن فبين أن البشر مقصر عن ذلك) (١).
وقال الزركشي:(ورُد هذا القول بأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز فيها. وهو باطل، فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها)(٢).
قلت: اعتمد من اعترض على هذا الوجه من الإعجاز على أن التحدي وقع بكل جزء من أجزاء القرآن الكريم -وفق القدر المتحدى به-، فكيف يصح الإخبار بالغيب وجهاً للإعجاز مع أنه غير موجود في مواطن من القرآن الكريم وقع بها التحدي؟
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية، ج ٣، ص ١٢٠. (٢) البرهان، الزركشي، ج ٢، ص ٩٦.