للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ولابد لدعاة التوحيد أن يستصحبوا النصح والشفقة للمدعوين، لأن منهم من يكون جاهلًا غُرر به، وسُقي هذه الأباطيل منذ نعومة أظفاره، ففتح عينيه، وأذنيه، على هذه المشاهد والممارسات، ولو أتيح له أن يسمع الحق واضحًا جليًا لكان أسرع الناس إليه. فينبغي التحلي بروح الرحمة والشفقة على هؤلاء، حتى لاستنقاذهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ليحي من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. ولنا في رسول الله أسوة حسنة: فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ، كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ، حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ) (١).

وعن عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ، يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ،


(١) أخرجه البخاري رقم (٢٤٠)، ومسلم رقم (١٧٩٤).

<<  <   >  >>