بالضرورة، قومًا أمِّيين، لا علم عندهم، ولا قلم، ولا محبرة، ولا كتب، كلا! قد يكون عندهم علوم كثيرة يشتغلون بها، وزخرفٌ من القول، وبهرجٌ من العمل؛ بدليل قوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، يعني زين لهم ما عندهم من العلوم، فيزدرون دعاة التوحيد، ويفتخرون بأن عندهم من علوم الآلة، ما لا يبلغونه ولا يدركونه، ويجلبون عليهم، ويستطيلون، كما وقع من المتكلمين.
والمتكلمون: طائفة ظهرت في الأمة الإسلامية، بعد ترجمة كتب اليونان، خاصة المنطق الأرسطي، فسرى هذا الداء في بعض الأذكياء، وأرادوا إثبات العقائد الدينية، بالطرق العقلية، بناءً على قواعد المنطق اليوناني، فوضعوا مقدمات أفضت إلى نتائج مخالفة لعقيدة السلف. وصاروا ينبزون أهل الحديث بألقاب السوء، ويهجنون طريقتهم، فإذا واجهوهم ودعوهم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا عندنا علوم، وقواعد، ومقدمات نسير عليها. وفرحوا بما عندهم من العلم.
أما السلف ﵏ فقد اعتمدوا الكتاب والسنة، واستغنوا بهما عما سواهما. فإن الله ﷿، أودع فيهما حقائق إيمانية، صافيةً نقيةً من كل شائبة.
فالمؤلف ﵀ أراد أن ينبه دعاة التوحيد إلى أن أعداء التوحيد ليسوا، دومًا، أميين من دهماء الناس، بل قد يكونون من المنسوبين إلى العلم، المتبحرين في علوم الآلة، العارفين بفنون الفروع.