وَاحِدةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِم بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ"، ففزعوا لكلمته، ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك، عَشْرًا. فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: "لا إلَهَ إلا الله". قال: فقاموا فزِعين، ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾) (١).
هكذا كانت طريقة تفكيرهم! يريدون الإبقاء على تعدد الآلهة، لا يريدون أن يوحدوا الله الواحد القهار. فهذا معنى قول المؤلف:(وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد). ولعل هذا الاصطلاح (الاعتقاد)، كان ذا دلالة عرفية في زمن المؤلف، يعبر به مشركو زمانه عن تعلقهم ببعض المدعوين من المقبورين، أو الأولياء، فيقول أحدهم إنه يعتقد بالسيد فلان، يعتقد بالشيخ فلان؛ أنه وسيلة إلى الله في جلب النفع ودفع الضر، وقضاء الحاجات، وربما اعتقدوا أنه يملك ذلك أيضًا، فيدعونه.
وقوله:(وكانوا يدعون الله ﷾ ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة، لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ﷿، ليشفعوا له، أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى): يعني أنهم كانوا يجمعون بين دعاء الله، ودعاء غير الله، وهو عين الشرك.
واللاَّت بالتشديد: اسم لرجل كان يلت السويق للحجاج، فلما مات عظموه. وبالتخفيف: صخرة بيضاء منقوشة، كانت بالطائف. وقيل إنه كان يلت السويق على تلك الصخرة. والظاهر أن مراد المؤلف في هذا السياق الشخص، لا الصخرة.