- الثانية: قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ)، فصرح أن العذاب لم يكن بسبب الاعتقاد، والجهل، والبغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين. والله أعلم).
الآية الأولى: أفادت أن قائل كلمة الكفر، ولو على سبيل المزاح، يكون كافرًا، ولو كان من عِداد الصحابة، فكيف بمن يقول، ويعمل، من غيرهم؟!.
الآية الثانية: أفادت أن تارك التوحيد لا يعذر إلا أن يكون مكرهًا، كما جرى لعمار بن ياسر، ﵄، فقد كان الْمُشْرِكُونَ يعذبونه فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:(مَا وَرَاءَكَ؟)، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ؟! قَالَ:(كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟)، قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ:(إِنْ عَادُوا فَعُدْ)(١).
أما غير المكره، الذي لم يبلغ به الأمر مبلغ الضرر، فإنه لا يسعه أن يوافق المشركين على شركهم، ولا أن يضاهيهم على فعلهم، بل عليه أن يلزم التوحيد، وأن ينكر الشرك، ولا يمنعه من ذلك خوف على دنياه، فقد أبطل الله ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فأفاد بأن من تعلل بهذا اللون، وهو حب الدنيا، والتجارة، والخوف