فإن قيل:/ الحاجةُ تدعو إلى ذلك في كلِّ يومٍ؛ لأجل أن النوم قد يغلب، والنسيان قد يَعْرِضُ، فوسع محل النية لهذه العلة، فأما جميع الشهر فلا حاجة بنا إلى تقديم النية لصيامه، بل يوسعه محل النية لكل يوم أغنى عن هذا التقديم.
قلنا: إنْ وَرَدَ هذا من حنفيٍّ فإنه لم يقنع بتوسعة جميع الليل حتى ضم إليه قطعة من النهار إلى ما قبل الزوال (١)!، وإنْ وَرَدَ من شافعيٍّ لم يصح التعليلُ في النية بمثل هذا؛ فإنهم إن عللوا بما يخاف منه نسيان، وسهوٌ، ونوم، فقد اعتبروا مقاربة النية لتحريمة الصلاة [مع ما](٢) يلحقهم من المشقة في حصوله، على أن شواهد الأحوال على المحرمين حاصلة في جميع أفعال الحج وأنساكه، وإجزاء المحرم نية واحدة.
طريقة أخرى: أنا نقول: رمضان عبادة واحدة، فأجزأ فيه نية واحدة، كالصلاة الواحدة، أو اليوم الواحد، وهذه جملة لا نزاع فيها، وأنَّ العبادةَ (٣) تجزئ فيها نية واحدة ـ إنما الشأن في إثبات كونه عبادةً، فنقول: الدليل على ذلك أنه مُتّحِدٌ من حيث الأمر؛ فإنَّ الله ـ تعالى ـ أمر بصوم الشّهر بأمر واحد، وهو شهر واحد، وحرمتُه واحدة، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤)، والشَّهرُ اسمٌ لجميعِ زمانِه، فالخِطاب يقتضي إيجادَ الصوم من أوّل الشّهر إلى آخره، الليالي والأيام جميعاً، إلا أنه ليس ذلك في طوق البشر، فأباح الشرع الأكل في الليالي، نظراً للعباد، وترحماً عليهم، يدلّ عليه أنَّ زمانه لا يقبل عبادة من جنسه، وكذلك إذا طلع هلاله، وحاضت المرأة لزِمَها برؤية هلاله جميعه، حتى تجب قضاء أيام حيضها لإدراك محلّه، وإن كان/ الحيض منافياً لأداء الصوم، لكن جعل إدراك الشهر نفسه موجباً لجميعه، ولو كان كالعباداتِ لصامَ ما أدرك منها، ولم يلزم قضاءُ ما لم يدركه لوجود المنافي كالصَّلوات.
(١) ينظر: تحفة الفقهاء ١/ ٧٣١، المبسوط ٣/ ١٣٤. (٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (معها)، وما أثبته هو الموافق للسياق. (٣) بهذا المكان في الأصل تكرار لكلمة: (العبادة)، وبحذفها يستقيم السياق. (٤) البَقَرَة: ١٨٥.