قلنا: المشهور ما روينا، واتفق على روايته مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأصحاب ابن عمر؛ نافع، وسالم، وعبد الله بن دينار (١)، كلهم روى عن ابن عمر مثل قولنا، ولم يذكروا الثلاثين، ثم فعلُ ابن عمر يدلّ عليه، ولا يظن به أن يروي عن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ ما ذكرتم ويخالفه مع جلاله قدره وزهده، وتتبعه أفعال النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، فدلَّ على أنه وهمٌ ممن روي عنه، وظن منه أن القدر تقدير العدد ثلاثين، مع كونه قد قيل: إن راوي اللفظ الذي ذكروه (٢) عثمان بن مقسم البري (٣)، وهو بصري ضعيف جدّاً.
على أن المراد به: أنه يقدر رمضان ثلاثين إذا غمّ، وقد روى أبو عيسى الترمذي في «صحيحه»(٤) بإسناده عن أبي هريرة: «صوموا لرؤيته،
(١) عبد الله بن دينار، العدوي مولاهم، أبو عبد الرحمن، المدني، مولى ابن عمر، ثقة. مات سنة ١٢٧ هـ. [ينظر: التقريب ٣٠٢]. (٢) في هذا المكان بالأصل كلمة: (أبو)، والصحيح حذفها نقلاً من مصادر ترجمته. (٣) عثمان بن مقسم البري، أبو سلمة الكندي، البصري، قال الذهبي: أحد الأعلام، على ضعف فيه، جمع وصنف، وقيل: إنه كان ينكر الميزان فيقول: وإنما هو العدل. تركه يحيى القطان، وابن المبارك، وقال ابن عدي: يكتب حديثه. وقال النسائي، وغيره: متروك. وقال عباس، عن ابن معين: ليس بشيء. وقال عفان: كان عثمان البري يرى القدر، وكان يغلط في الحديث، وفي كتابه الصواب، فلا يرجع إليه، وكان يحدث عشرين حديثاً عن علي، وابن مسعود، وعمر، ثم يقول: هذا كله باطل، ثم يجيء برأي حماد فيقول: هذا هو الحق. وسمعته يقول: قضايا شريح كله باطل. [ينظر: تاريخ الإسلام ٤/ ٤٥٦]. (٤) كتاب: (الجامع الكبير)، لأبي عيسى الترمذي، أحد الكتب الست الأمهات، قال الترمذي: صنفت هذا الكتاب، وعرضته على علماء الحجاز، والعراق، وخراسان، فرضوا به، ومن كان هذا الكتاب في بيته، فكأنما في بيته نبي يتكلم. وقال أبو إسماعيل الهروي: جامع الترمذي أنفع من كتاب البخاري ومسلم، لأنهما لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، والجامع يصل إلى فائدته كل أحد. وقال الذهبي: فيه علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام، لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في الفضائل، وهو قاض له بإمامته وحفظه وفقهه. [ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٧٤].