يقال: قدرت الشيء في معنى قدَّرت بالتشديد. وإذا كان كذلك صار معناه: قدَّروا لشعبان ثلاثين يوماً، ثم صوموا الحادي والثلاثين.
قلنا: ليس في ذلك ما يدل على أنه يجب تقدير شعبان بثلاثين؛ إذ ليس تقديره بالثلاثين بأولى من تقدره بتسعة وعشرين؛ لأن كل واحدٍ من الشهرين يكون قدراً للشهر، يبين صحة هذا ما روى إسحاق بن سعيد (١)، عن أبيه (٢): قيل لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، رئي هذا الشهر لتسع وعشرين، قالت: ما يعجبكم من ذلك، لما صمنا مع رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ تسعة وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٣).
وقد ذكر أبو بكر النقاش في قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٤)، قُتّر وضُيّق عليه زرقه، قال: وقدّر بالتشديد، كأنه للمبالغة في القلة (٥)، وعلى أنا قد بينا في غير موضعٍ من كتاب الله ـ تعالى ـ أن المراد بالقدر: التضييق، فلا يصح ادعاء الإجماع من طريق اللغة على الثلاثين.
(١) إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، الأموي، السعيدي، الكوفي، ثقة. مات سنة ١٧٠ هـ. [ينظر: التقريب ص ١٠١]. (٢) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، الأموي، المدني، نزيل الكوفة، كان مع أبيه إذ غلب على دمشق وذبحه عبد الملك، ثم سار وهو كبير مع أهله إلى المدينة، وطال عمره حتى وفد على الوليد بن يزيد في خلافته، وكان ثقة نبيلاً من كبار الأشراف. [ينظر: تاريخ الإسلام ٣/ ٤٢٢]. (٣) أخرجه الطيالسي ٣/ ١٣٤، ح ١٦٥٤، وأحمد ٤١/ ٦٤، ح ٢٤٥١٨، والطبراني في الأوسط ٥/ ٢٥٧، ح ٥٢٤٩، والدارقطني ٣/ ١٨٢، ح ٢٣٥١، والبيهقي ٤/ ٤١٩، ح ٨٢٠١ من طرق عن إسحاق بن سعيد. قال أبو حاتم: هذا خطأ؛ رواه شعبة، عن الأسود بن قيس، عن سعيد بن عمرو، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ. وقال الدارقطني: إسناده صحيح حسن. وقال البوصيري: سنده صحيح على شرط مسلم. وقال ابن حجر: إسناده جيد. [ينظر: علل ابن أبي حاتم ٣/ ٧١، إتحاف الخيرة ٣/ ٥٩، فتح الباري ٤/ ١٢٣]. (٤) الطّلَاق: ٧. (٥) لم أقف عليه.