وأما قوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ *﴾ (١)، فقال أبو بكر النقاش: فقدرنا: فملكنا، فنعم المالكون، ومن شدد فقدَّرنا يقول: قدرنا خلقه على ما أردنا (٢).
الثاني من الاستنباط: أن قوله: «اقدروا له» معناه: اقدروا زماناً يطلع في مثله الهلال، وهذا الزمان يصح وجود الهلال فيه.
ومنه قول عائشة ﵂ في خبرها الطويل، تصف أخلاق رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ، وقربها منه، ومنزلتها من قلبه، في الخبر الذي رواه ابن قتيبة في كتاب «غريب الحديث»(٣) عنها، قالت: كان رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالدَرَق (٤)، وذقني على كتف رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ لم يزله، فاقدروا للجارية الحديثة السن، المشتهية للنظر (٥). ومعناه: اقدروا زماناً تقف في/
(١) المُرسَلات: ٢٣. (٢) لم أقف عليه. (٣) كتاب: (غريب الحديث)، لابن قتيبة الدينوري، جمع فيه بين كتابيه؛ إصلاح الغلط، الزوائد في غريب الحديث، افتتحه بتبيين الألفاظ الدائرة بين الناس في الفقه وأبوابه، ثم أتبع ذلك تفسير ما جاء في الحديث من ذكر القرآن وسوره وأحزابه، ثم ما جاء في الحديث والكتاب من ذكر الكافرين والظالمين والفاسقين والمنافقين والفاجرين والملحدين ومن أين أخذ كل اسم منها، ثم ما جاء في الحديث من ذكر أهل الأهواء الرافضة والمرجئة والقدرية والخوارج، ثم ابتدأ بتفسير غريب حديث النبي ﷺ وضمنه الأحاديث التي يدعى بها على حملة العلم حمل المتناقض، وتلاه بأحاديث صحابته رجلاً رجلاً، ثم بأحاديث التابعين ومن بعدهم، وختمه الكتاب بذكر أحاديث غير منسوبة سمع أصحاب اللغة يذكرونها لا يعرف أصحابها ولا طرقها. [ينظر: غريب الحديث ١/ ١٥١]. (٤) الدَرَقة: ترس من جلود ليس فيه خشب ولا عقب يتخذ من جلود دواب تكون في بلاد الحبش. والجمع: دَرَق، وأَدْراق، ودِراق. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٣٥، تهذيب اللغة ٩/ ٤٥، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٣١٠]. (٥) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب حسن المعاشرة مع الأهل ٧/ ٢٨، ح ٥١٩٠، ومسلم، كتاب صلاة العيدين ٢/ ٦٠٩، ح ٨٩٢/ ١٨ من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير، قال: قالت عائشة: والله لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم، في مسجد رسول الله ﷺ، يسترني بردائه، لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، حريصة على اللهو. وأخرج البخاري، أبواب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد ٢/ ١٦، ح ٩٤٩، ومسلم، كتاب صلاة العيدين ٢/ ٦٠٩، ح ٨٩٢/ ١٩ من طريق أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحول وجهه، ودخل أبو بكر، فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي ﷺ، وإما قال: «تشتهين تنظرين؟» فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده، وهو يقول: «دونكم يا بني أرفدة» حتى إذا مللت، قال: «حسبك؟» قلت: نعم، قال: «فاذهبي». وأخرج مسلم، كتاب صلاة العيدين ٢/ ٦٠٩، ح ٨٩٢/ ٢٠ من طريق هشام بن عروزة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاء حبش يزفنون في يوم عيد في المسجد، فدعاني النبي ﷺ، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي أنصرف عن النظر إليهم.