للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقرأ على الفقيه الحنفي الورع الزاهد شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم مصنفه «مقدمة في الفرائض»، و «الجامع الصغير» (١).

ولم يرق لأصحابه المقادسة انتقاله لمذهب أبي حنيفة، كما لم يرق لهم من قبل انتقال شيخه أبي اليمن الكندي (٢)، فانتقده بعض الحنابلة بحدة على تحوله هذا، وجبهه أحدهم ذات يوم، وهو على منبر وعظه بقوله: إذا كان الرجل كبيرا ما يرجع عنه إلا لعيب ظهر له فيه، وأي شيء ظهر لك في الإمام أحمد حتى رجعت عنه؟ فغضب سبط ابن الجوزي، وقال له: اسكت. فأجابه الرجل بهدوء: أما أنا فقد سكت، وأما أنت فتكلم. فرام سبط ابن الجوزي الكلام، فأرتج عليه، ونزل عن المنبر (٣).

ولم يخف الذهبي - وميله للحنابلة معروف (٤) انزعاجه من هذا الانتقال، فاغتمزه بأنه كان لأجل الدنيا (٥). وكأن الدنيا لم تكن مقبلة عليه قبل ذلك!


(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٣١٦).
(٢) لم يكن سبط ابن الجوزي بدعا في الانتقال عن مذهبه، فكذلك كان شيخه أبو اليمن الكندي حنبليا من قبل، فانتقل حنفيا، ولم تشفع له منزلته عند المقادسة، فغمزه الموفق عبد الله ابن قدامة بذلك، وقال: «انتقل إلى مذهبه لأجل الدنيا». ينظر: «سير أعلام النبلاء» (٣٥، ٣٨/ ٢٢).
ومن قبله كان جده أبو الفرج، لحسد الحنابلة له، يفكر بالانتقال عن مذهبه، ويقول: «والله لولا أحمد والوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كنت حنفيا أو شافعيا لحملني القوم على رؤوسهم». ينظر: «مرآة الزمان» (٢١/ ٢٢٥).
(٣) ذيل مرآة الزمان (١/ ٤١).
(٤) المنهل الصافي (١٢/ ٢٣٣).
(٥) تاريخ الإسلام (١٤/ ٧٦٨).
ودافع ابن تغري بردي عن انتقاله لمذهب أبي حنيفة، ردا على الذهبي، مجردا له من أسبابه، وأهمها صلته بالملك المعظم عيسى بقوله: «أما قوله: انتقل حنفيا للدنيا، ليس بالقوي، فإن والده كان حنفيا، ونشأ هو ببغداد، فعلمه مؤدبه على مذهب جده أبي الفرج ابن الجوزي، فلما ترعرع وكبر وتفقه تبع الأصل، واستمر على مذهب والده قبل أن يلي الوظائف بسنين، وميل الحافظ الذهبي إلى سادة الحنابلة معروف». ينظر: «المنهل الصافي» (١٢/ ٢٣٣).

<<  <   >  >>