بقاسيون (١) عند ولدها علي. ولا ريب أنه حزن لفقدها، وإن لم يجر بذلك قلمه، ويستعيد بذاكرته ما كانت تتحلى به من صفات حميدة ولا سيما الكرم، وإن كانت إلى الإسراف أقرب (٢).
ولم يحدثنا سبط ابن الجوزي عما جرى له في رحلته إلى بغداد إلا بهذه الإشارات العابرة، وقد ألغز في بعضها قائلا:«غير أن ما ربحناه في سورة يوسف خسرناه في سورة النور، وجرى لنا عجائب»(٣). بيد أنه لم يشأ أن يبوح لنا بتلك العجائب. ويكتفي بإخبارنا أنه زار جامع فخر الدولة الحسن بن هبة الله، المتوفى سنة ٥٧٨ هـ/ ١١٨٣ م (٤)، وكان فخر الدولة من صدور بغداد وأغنيائها (٥)، وله فيها آثار جميلة منها جامعه هذا، غربي بغداد، ويشرف على دجلة، وقد دفن فيه. فيسوءه أن يرى دجلة قد طغا ماؤه فخرب بعضه باستيلائه عليه، وما يخشاه أن يأتي على الباقي (٦).
وبقي سبط ابن الجوزي في بغداد ملازما للوزير مؤيد الدين ابن العلقمي حتى خروجه منها، عائدا إلى الشام في صفر سنة ٦٤٥ هـ/ حزيران ١٢٤٧ م. ويصل إلى حلب، وفيها يفجع بوفاة ابنه إبراهيم في ربيع الآخر/ آب، فينقله إلى دمشق، ويدفنه في تربته بقاسيون عند أمه وأخيه (٧) ورحلته هذه إلى بغداد هي آخر رحلاته، يقيم بعدها في دمشق، ولا يبرحها حتى وفاته.