الماء عنهم، ومع ذلك لم يستسلموا، فكانوا لمحبتهم للناصر داود وأبيه المعظم، يخرجون مع العسكر، ويقاتلون أشد قتال (١).
وكثرت القتلى والجرحى بين الفريقين، ووقع حريق ونهب من ناحية باب توما، وخربت بعض قرى الغوطة، ونزح عنها أهلها، منها جوبر وجديا وزملكا وسقبا، فانقطع الجلب عن دمشق من غوطتها، وأحرقت في الميدان الأخضر مدرسة أسد الدين شيركوه، وخانقاه خاتون وما يليها من الخانات والدور، وخربت خانقاه الطواويس (٢).
وانحاز سبط ابن الجوزي في هذا الصراع بين ملوك بني أيوب للناصر داود، حتى إنه أفتى بوجوب قتال الأشرف والكامل على المنبر. وبلغتهما فتياه، فأرعدا وأبرقا، وتواعدا عليه وتهددا، على حد تعبيره. فلم يبال بغضبهما، وسلم أمره الله، قائلا:«فتوكلت على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، واعتمدت عليه، ومن يعتمد عليه يصف له شربه»(٣).
وكان من أشد الأمور على الناصر داود قلة المال في خزائنه، فقد أودع أمواله بالكرك، ولثقته بعمه الأشرف لم يحضر منها شيئا (٤)، فنفد ما عنده، واضطر إلى ضرب ما عنده من الأواني الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأنفقها كلها حتى لم يبق لديه منها شيء.
وطالت مدة الحصار (٥)، وكان أقسى حصار تشهده دمشق (٦)، وأصاب بعض عسكرها اليأس، فراحوا يلوذون بالكامل (٧)، حينئذ أدرك الناصر أنه لا قبل له بعمه الكامل، وأن الأصلح له الخروج إليه، ليرى فيه رأيه (٨).