للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وفي الصيف يستروح من شدة حر بغداد في مقابر الإمام أحمد ابن حنبل، وكان يأوي إليها في ذلك الوقت رجل قادم من بلخ اسمه محمد، يكن من الحر في القباب ويصوم الدهر، ويتقوت بالخبازى، ولا يكلم أحدا من خلق الله، فأحبه الصبي يوسف وأنس به، وكان يعتقده من الأبدال، وبقي هذا الشيخ مقيما في المقابر حتى سنة ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م، ثم غاب عن عينيه بعد ذلك (١).

ويبدو أن وعيه تفتح أول ما تفتح على أخبار شخصيتين عظيمتين لم يدركهما، أولاهما: الشيخ الإمام العالم عبد القادر الجيلي (المتوفى سنة ٥٦١ هـ/ ١١٦٦ م) (٢)، فقد أدرك جماعة من مشايخه يحكون جملة من كراماته الظاهرة، منهم خاصبك؛ خاله لأمه، ورجل صالح من أهل الحربية يقال له مظفر (٣). وثانيتهما: الوزير عون الدين يحيى بن محمد بن هبيرة (المتوفى سنة ٥٦٠ هـ/ ١١٦٥ م)، فقد سمع من مشايخه عنه حكايات عجيبة، أثبت بعضها فيما بعد في «تاريخه» (٤).

وكان يتشوف على حداثة سنه إلى رؤية كبار عصره، فقد رأى القاضي عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله؛ الملقب لذكائه وفطنته بالقاضي شريح. وبقيت صورته عالقة في ذاكرته، فهو من ألطف العالم وأذكاهم. وكان هذا القاضي قد أمضى سني حياته الأخيرة منسيا في سجنه حتى وفاته سنة ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٦ م، فكتب عنه فيما بعد يقول: «كان فاضلا، مترسلا، بليغا جوادا، سمحا، حسن الصورة، فصيح اللسان متواضعا، يصلح للوزارة .. ورسائله مدونة في مجلدين» (٥).

ولم يكن يفوته ما يقع في بغداد من أحداث؛ فحين قتل طغريل شاه؛ آخر سلاطين السلاجقة، ودخلوا برأسه مرفوعا على خشبة إلى بغداد في


(١) مرآة الزمان (٢٢/ ١٤).
(٢) سير أعلام النبلاء (٤٥١/ ٢٠).
(٣) مرآة الزمان (٧٨/ ٢١).
(٤) مرآة الزمان (٦١/ ٢١ - ٦٣).
(٥) مرآة الزمان (١٥٦/ ٢٢ - ١٥٧).

<<  <   >  >>