للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد كان لتلك المنازعات صدى فيما كتبه المؤرخون المعاصرون، ولعل السابق إلى اكتشاف النزاع بين أبي شامة وابن خلكان كان الأستاذ محمد كرد علي، فقال: «لم يذكر ابن خلكان في وفياته أبا شامة لأمور كانت بينهما على ما يظهر من الذيل على الروضتين، وكانا متعاصرين متباغضين» (١).

لكنه يعزو ذلك إلى حسد أبي شامة لابن خلكان، أو لأن ابن خلكان أقصى أبا شامة عن بعض المدارس، فيقول: «وكان كلاهما يختلف إلى المدرسة العادلية حيث المجمع العلمي اليوم، وقد سكنها كلاهما، ولعل أبا شامة كان يحسد ابن خلكان، أو أن ابن خلكان أقصى أبا شامة عن بعض المدارس، أو من المدرسة العادلية نفسها» (٢).

والسبب على خلاف ما ذكر الأستاذ كرد علي، كما بينت، فقد كان أبو شامة ناقما على القضاة الذين اتخذوا من القضاء مطية لتحقيق مآربهم الشخصية بعيدا عن إشاعة العدل وكف الظلم، وابن خلكان واحد من هؤلاء القضاة، ومع أن أبا شامة قد سكن المدرسة العادلية زمنا طويلا، غير أنه لم يجاور في سكناها ابن خلكان، لأنه كان قد تركها قبل مقدمه إليها بزمن (٣)، وعاش أبو شامة ما عاش من حياته زاهدا في المناصب، مترفعا عنها، حتى اعتزلها (٤)، ولم يقطع عزلته هذه إلا حين ولاه ابن خلكان التدريس بالمدرسة الركنية تقربا منه (٥). فالدافع الذي دفع أبا شامة إلى قول ما قال هو الرغبة في الإصلاح، لا سعيا وراء منفعة.

والغريب حقا كيف لم يتنبه د. إحسان عباس، وهو الناقد اللماح، إلى ما جرى


(١) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق: مج ٥/ ج ٣/ ١٤١.
(٢) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق مج ٥/ ج ٣/ ١٤١ - ١٤٢.
(٣) انظر ص ١٨٧ من هذا الكتاب.
(٤) انظر ص ١٨٩ من هذا الكتاب.
(٥) انظر ص ٢٩٣ من هذا الكتاب.

<<  <   >  >>