الناس فيه وتكلموا في حقه، وكان عند نفسه عظيما، فسقط بذلك في أعين الناس مع ما كان عليه من ثلب العلماء والأعيان، وذكر ما يشينهم به» (١).
وقد تلقف قوله هذا دون تحقيق فيه أبو عبد الله السخاوي، صاحب كتاب «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ»، فقد قال فيه عن أبي شامة:«كان كثير الوقيعة في العلماء والصلحاء وأكابر الناس، والطعن عليهم، والتنقص لهم، وذكر مساوئهم، وكونه عند نفسه عظيما، فصار ساقطا من أعين الناس ممن علم منه ذلك، وتكلموا فيه، وأدى ذلك إلى امتحانه … »(٢).
ومن خلال استعراضنا لمن تكلم فيهم أبو شامة (٣) لم نجده قد غض من العلماء والأكابر والصلحاء، ولا طعن فيهم، ولا تنقصهم، ولم يذكر مساوئهم، ولم يثلب أعراضهم، وإنما تكلم في القضاة المرتشين الظالمين، والزنادقة الملحدين، والمتصوفة المنحلين، والمؤلفين المخطئين والمتزلفين للسلاطين، والمتعدين على أوقاف المسلمين، والمتعاونين مع التتار أعداء الدين.
وكان في جملة من تكلم أبو شامة فيهم الشيخ محمد بن أحمد اليونيني، والد المؤرخ قطب الدين (٤)، والقاضي صدر الدين ابن سني الدولة، وهو ابن خالة أمه، وعديل أبيه (٥)، فلم يغفر قطب الدين لأبي شامة ما قاله في والده، وقد استشعر استهزاءه فيه، فأطلق فيه هذا القول الجارح انتقاما منه، ودفاعا عن أبيه، فجار في قوله وحكمه، ونأى فيه عن الإنصاف، ومن ثم أهمل المؤرخون قول قطب الدين
(١) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ٣٦٧. (٢) «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ»: ص ٤٧٦ (المطبوع ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين، لروزنتال)، وقد أعاد كلامه ذاك في «فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي»: ٤/ ٣٥٤. (٣) انظر ص ٤٣٢ - ٤٤٣ من هذا الكتاب. (٤) انظر ص ٤٣٦ - ٤٣٧ من هذا الكتاب. (٥) انظر ص ٤٤١ من هذا الكتاب.