وقد مر بك ما قاله أبو شامة في الحريري هذا (١)، فكيف يستقيم ما نسب إليه مع ما صح من قوله فيه؟
وقد وقف بعض المشتغلين بنشر التراث حائرا في التوفيق بين كلامين متناقضين لا يمكن التوفيق بينهما، بل لا يمكن أن يصدرا عن قائل واحد، وهذا ما جعلني أفتش عن قائل تلك الكلمات التي نسبها الذهبي إلى أبي شامة حتى وقعت عليها في «عيون التواريخ» معزوة لسبط ابن الجوزي (٢)، فبرح الخفاء، وظهر أن الذهبي وهم في نسبتها إلى أبي شامة.
وكان المنتجب الهمذاني المقرئ من أصحاب الشيخ علم الدين السخاوي، غير أنه جحد حق تعليم الشيخ له (٣)، وآذاه في شرح أول بيت من الشاطبية بعبارة نكدة (٤)، وقد قال أبو شامة في شرحه للشاطبية:«ثم تعاني شرح القصيدة، فخاض بحرا عجز عن سباحته»(٥). فهل كان أبو شامة في قوله هذا متعاطفا مع شيخه السخاوي؟ هذا الشيخ الذي بلغ من انزعاجه أن منع أصحابه من حضور مجلس المنتجب (٦). الحق أن أبا شامة قد اعترف للمنتجب في صدر ترجمته له بأنه كان مقرئا مجودا (٧)، غير أنه لم يحسن شرح الشاطبية، وهو حكم أملاه على أبي شامة اشتغاله بشرح الشاطبية، وخبرته بدقائقها (٨)، ومن ثم لا تضر مخالفة الذهبي له
(١) انظر ص ٤٣٥ من هذا الكتاب. (٢) «عيون التواريخ»: ٢/ ١٧، وانظر حاشيتي رقم (٣) في «المذيل»: ٢/ ٨٣. (٣) انظر ص ٤٣٥ - ٤٣٦ من هذا الكتاب. (٤) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٢٦٦. (٥) «المذيل»: ٢/ ٦٧. (٦) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٢٦٦. (٧) «المذيل»: ٢/ ٦٧. (٨) شرح أبو شامة الشاطبية ثلاثة شروح، انظر ص ٤٨٣ - ٤٨٤ من هذا الكتاب.