جواب ثالث: أن يقال: إن نفي الشرك في الأمة خاص ببعض الأماكن دون بعض، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:«إنّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»(٢).
جواب رابع:
أن يقال: إنه في الصحابة -رضي الله عنهم- خاصة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:«عليكم». قال الحافظ:"فيه إنذار بما سيقع، فوقعَ كما قال صلى الله عليه وسلم، وأن الصحابة لا يُشركون بعدَه؛ فكان كذلك، ووقعَ ما أنذر به من التنافس في الدنيا"(٣).
جواب خامس:
أن يقال: لعلّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن طوائف من الأمة سوف يضلون ويشركون (٤).
وأقرب هذه الأَجْوِبة هو الجواب الأول، ثم الثاني. والله أعلمُ.
*ومن الفوائد التي تتعلق بحديث الباب: تفرُّق السابقينَ، وتقليدُ اللاحقينَ:
والمعنى الذي ورد في الحديث من تفرق اليهود والنصارى قد ورد في عدة مواضع من القرآن، منها: قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ}[البينة: ٤]، وقال تعالى:{وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ...}[الشورى: ١٤]، وقال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ...}[آل عمران: ١٩].
(١) دعاوى المُناوئينَ (ص/٢٢٣). (٢) ومما يضعّف هذا الوجهَ: أن أكثر من ارتدَّ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كانوا في جزيرة العرب. (٣) فتْح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٦١٤). (٤) فتْح الباري شرح صحيح البخاري (٦/ ٦١٤)، ويُنظر لهذه الأوجُه ولغيرها: [أحاديث يُوهم ظاهرُها التعارُضَ] (ص/٢٦٦).