مِنَ القَدْرِ، فإذَا أَرَادَ الخَارِجُ مِنْ أَرْضِ الطَاعُونِ بِخُرُوجِهِ الفِرَارُ مِنَ القَدْرِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الخُرُوجُ، لأَنَّهُ يُخَالِفُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويُكَذّبُ بالقَدَرِ، لأَنَّهُ يَقُولُ: إن خُرُوجِي يَدْفَعُ عَنِّي مَا نَزَلَ بأَهْلِ هَذِه الأَرْضِ، وأَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْ بِخُرُوجِهِ الفِرَارَ مِنَ الطَّاعُونِ، ويَعْتَقِدُ أنَ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئُهُ فَمُبَاح لَهُ الخُرُوجُ، وكَذَلِكَ حُكْمُ الدَّاخِلِ في بَلَدِ الطَاعُونِ إذا أَقَرَّ أَنَّ دُخُولَهُ لَيْسَ يَجْلِبُ حَتْفًا لَمْ يَكُنْ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَمُبَاحٌ لَهُ الدُّخُولُ، وهَذا تَأْوِيلُ العُلَمَاءِ في هَذا الحَدِيثِ.
[قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: (سَرْغُ) الذي انْصَرَفَ مِنْهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ هُوَ مِنْ آخِرِ عَمَلِ الحِجَازِ وأَوَّلِ عَمَلِ الشَّامِ، وذَلِكَ أَنَّةُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِدِمَشْقَ انْصَرَفَ بالنَاسِ، وكَرِهَ أَنْ يَقْدِمَ بَأَصْحَاب رَسُولِ اللهِ أَرْضَ الطَاعُونِ، وانْصَرَفَ بِهِم بَعْدَ أَنْ شَاوَرَ الصَّحَابةَ في ذَلِكَ، وَأَخبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفِ أَنَّهُ سَمِعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "إذا سَمِعْتُمْ بهِ بأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيهَا".
وفِي هَذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ: مُشَاوَرَةُ الإمَامِ عُلَمَاءَ المُسْلِمِينَ فِيمَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتهِ، وأَخْذِه في ذَلِكَ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لَهُمْ، وقَدْ أَمَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بهِ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُشَاوِرَ أَصْحَابَهُ، فقالَ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: ١٥٩] , قالَ أَهْلُ التفْسِيرِ: إنَّمَا أَمَرَ اللهُ بمَشُورَتهِمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ وَحْيٌّ، [وقَالُوا] (١): مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الَأَرْضِ أَسَدَّ رَأْيًا مِن رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولَكِنْ أَمَرَهُ اللهُ بِمَشُورَتهِمْ لِيَكُونَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَصْحَابهِ وغَيرِهِمْ مِنْ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ.
* [قالَ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَقَعَ في رِوَايةِ ابنِ المُنْكَدِرِ في هَذا الحَدِيثِ: "وإذَا وَقَعَ بأَرْضٍ فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" عَلَى مَعْنَى: لا تَخْرُجُوا فَارِّينَ مِنْهُ، وَوَقَعَ في رِوَايةِ أَبي النَّضرِ: "لا يُخْرِجُكُمْ إلَّا فِرَارًا مِنْهُ"، وهَكَذا رَوَاهُ يحيى بنُ يحيى [٣٣٣٠].
(١) في الأصل: وقال، وما وضعته هو المناسب للسياق.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.