للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في تصحيحه للحديث؛ لأنَّه أعرف بما يقول وما يحكم به، فإذا تبعنا البخاري في تصحيحه للحديث فكذلك نتبعه في تضعيفه؛ لأن النقاد عندهم ملكة بمعرفة صحيح الأسانيد من سقيمها، وهم فرسان هذا الفن وإليهم المنتهى في كل نوائبه. وإذا كان لاعتراض ابن التركماني وجاهة عند بعضهم، فإنَّ اعتراضه كهواء في شبك إذا خالف الكبار، وأما عن تدليس محمد، فإنَّ أحداً لم ينص على أنَّ محمداً مدلس، ولكن مطلب استحضار صيغة السماع الصريحة منه حتى ينتفي عندنا احتمال الإرسال الخفي بين الراوي وشيخه، ومنه تعلم سطوع شرط البخاري على شرط مخالفه، وذلك أنَّ البخاري حينما شرط التصريح بالسماع ولو لمرة واحدة، كان هذا الشرط على عموم المرويات، يعني: إذا كان للراوي عن شيخه (١٠٠) حديث شرط أن يصرح بالسماع من المئة مرة واحدة، وأما إذا كان للراوي عن شيخه حديث واحد أو حديثان فهذا سيكون من جملة الغرائب التي يحتاط فيها ما لا يحتاط في غيرها. فإذا كان الراوي ليس من المكثرين، وإنما له من الحديث شيءٌ قليلٌ عوض حديثه بما اشتهر في الباب، وهذا لا ينطبق على المكثرين كالزهري وشعبة والثوري وأضرابهم إذا انفرد أحدهم بحديث ما كان ذلك الانفراد منقبة له لا مثلبة، والله أعلم.

وأما ما نقله عن ابن التركماني في " الجوهر النقي " ٢/ ١٠٠ وقد تقدم فنجيب عنه فنقول: ومن قال: إنَّ البخاريَّ جرح محمداً؟ وهل قول الناقد: (فلان لم يتابع على كذا) يعد نَصّاً في التجريح أم أنَّه إشعار بتفرّد الراوي بهذا الإسناد. ثم إنَّ هذا الإسناد: (أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة) هذا أحد الأسانيد الذهبية التي إن صحت ضُربت إليها أكباد الإبل، فعلامَ إذن ينفرد به راوٍ، ولم يتابع عليه، وينفرد عنه راو آخر، وفي الحديث شبهة انقطاع وفيه اختلاف في متنه، فهذا كله ألا يثير في القلب ريبة بإعلاله؟ ثم إنَّ هذا الحديث وبالحالة التي قدمناها اكتسب صفة الغرابة، وقد قال سلف الأمة بالابتعاد عن الغرائب، فقد قال يحيى بن معين في " تاريخه " (٥٤١) برواية الدوري: «ما أكذب الغرائب»، ونقل الخطيب في " الكفاية ": ١٧٢ عن أحمد أنَّه قال: «شر الحديث الغرائب، التي لا يعمل بها، ولا يعتمد عليها»، ونقل

<<  <  ج: ص:  >  >>