البيهقي عن يحيى بن سعيد أنَّه قال: مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنَّه حافظ، وكلما قدر أنْ يُسمي سمى، وإنَّما يترك من لا يستحب أنْ يسميه … ».
مثال آخر: روى محمد بن إسحاق، قال: حدثني الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: أتت سهلةُ بنتُ سُهيل رسولَ الله ﷺ فقالتْ له: يا نبيَّ الله، إنَّ سالماً كان منا حيثُ قد علمتَ، إنَّا كنَّا نعده ولداً، فكان يدخل عليَّ كيف شاء لا نحتشم منه، فلما أنزل الله فيه وفي أشباههِ ما أنزلَ، أنكرتُ وجهَ أبي حذيفة إذا رآه يدخل عليَّ، قال:«فأرضعيهِ عشرَ رضعاتٍ، ثم ليدخلَ عليكِ كيف شاء، فإنَّما هو ابنُكِ». فكانت عائشة تراه عامّاً للمُسلمين، وكان مَنْ سواها من أزواج النبيِّ يرى أنها كانت خاصَّة لسالم مولى أبي حذيفة الذي ذكرتْ سَهلةُ مِنْ شأنهِ رخصة له.
هذا الحديث أخرجه: أحمد ٦/ ٢٦٩، وابن حزم في " المحلى " ١١/ ٩٠.
وهو صحيح دون قوله:«فأرضعيه عشر رضعات» فلفظ العشر لفظ منكر أخطأ فيه محمدُ بنُ إسحاقَ، وخالف الثقات الأثبات الذين رووه عن الزهري فذكروا خمس رضعات فاللفظ الصحيح:«أرضعيه خمس رضعات». وسأُفصِّل ذلك إن شاء الله، لكني سأذكر كلام ابن حزم قبل ذلك، قال ابن حزم مُعلِّقاً على هذا الحديث: «وهذا إسناد صحيح (١) إلا أنَّه لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن يكون ابن إسحاق وهم فيه (٢)؛ لأنه قد روى هذا الخبر عن الزهري من هو أحفظ من ابن إسحاق وهو ابن جريج فقال فيه:«أرضعيه خمس رضعات» .. أو يكون محفوظاً فتكون رواية ابن إسحاق صحيحة، ورواية ابن جريج صحيحة (٣)، فيكونان خبرين اثنين، فإذا كان ذلك،
(١) على رأي من يعد ابن إسحاق ثقة. (٢) وهذا هو الصواب أنَّ الحديث وهم. (٣) ولا داعي لهذا الجمع ما دمنا نستطيع أنْ نرجح بين الروايات.