يندرج تَحْتَ قاعدة كلية، لَكِنْ يختلف الحال حسب المرجحات والقرائن، فتارة ترجح الرِّوَايَة المرسلة وتارة ترجح الرِّوَايَة الموصولة. وهذه المرجحات كثيرة يعرفها من اشتغل بالحديث دراية ورواية وأكثر التصحيح والإعلال، وحفظ جملة كبيرة من الأحاديث، وتمكن في علم الرِّجَال وعرف دقائق هَذَا الفن وخفاياه حَتَّى صار الحَدِيْث أمراً ملازماً لَهُ مختلطاً بدمه ولحمه.
ومن المرجحات: مزيد الحفظ، وكثرة العدد، وطول الملازمة للشيخ. وَقَدْ يختلف جهابذة النقاد في الحكم عَلَى حَدِيث من الأحاديث، فمنهم: من يرجح الرِّوَايَة المرسلة، ومنهم: من يرجح الرِّوَايَة الموصولة، ومنهم: من يتوقف (١).
قال الحافظ ابن حجر:«ثم إنَّ تعليلهم الموصول بالمرسل أو المنقطع، والمرفوع بالموقوف أو المقطوع ليس على إطلاقه، بل ذلك دائر على غلبة الظن
بترجيح أحدهما على الآخر بالقرائن التي تحفه» (٢).
وبعد هذه الجولة المسهبة في نقل أحكام أهل العلم في الأحاديث التي اختلف في وصلها وإرسالها، تبين أنَّ في غالب أقوال النقد أنَّهم يحكمون للحافظ، وهذا جيد ولكن ينبغي التنبه لخصوصيات الرواة فإنَّ منهم من يكون ثقة من حيث الجملة، ضعيفاً في بعض الشيوخ، أو في بعض الأماكن أو بعض الأوقات، وأيضاً قد يكون الراوي ضعيفاً من حيث الجملة إلا أنَّه ثقة إذا روى عن بعض الشيوخ، وقد تقدم التمثيل بعبد الرحمان بن أبي الزناد.
وأزيد فائدة هنا وهو أنَّ أهل العلم يخرجون الرواية المرسلة بجانب الرواية الموصولة؛ لينتفع بذلك صاحب العلل؛ فالرواية المرسلة قد تكون علة للرواية الموصولة؛ ولذا فإنَّ الإمام أحمد كان يصنع ذلك، بل كان يعيب على من يترك الرواية المرسلة عقب الموصولة، ومن ذلك أنَّه ساق رواية السيناني
(١) إذا أكثر الراوي من إسناد المرسلات فربما يكون سبباً للطعن فيه مثلما حصل لسماك بن حرب، انظر: " النفح الشذي " ١/ ٣٢٢ ومصادره. (٢) " نكت ابن حجر " ٢/ ٧٤٦ و: ٥١٤ بتحقيقي.