وَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ أنَّ أَنْوَاعَ الشِّرْكِ كَثِيرْةٌ وَلَيسَتْ مَحْصُورَةً فَقَط بِشِرْكِ النَّصَارى بِاتِّخَاذِ الوَلَدِ! بَلْ إِنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ ادِّعَاءُ أَنَّ للهِ تَعَالَى شُفَعَاءَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ لَهُم وَبِغَيرِ رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِم.
قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الحَدِيثِ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) فَمَعْنَاهُ: لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي، كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوقَ حَدِّهِ، وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ؛ فَمُعْتَدٍ آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَو جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَولَى الخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ" (١).
٢ - أنَّ قَولَهُ ﷺ: ((فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)) هُوَ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ فِي الحَصْرِ، أَي: مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ رَسُولٌ، وَجَاءَ هَذَا الحَصْرُ بَعْدَ فَاءِ التَّعْلِيلِ لِبَيَانِ أَنَّ العِلَّةَ فِي عَدَمِ الإطْرَاءِ هُوَ لِكَونِهِ فَقَط عَبْدٌ رَسُولٌ، فَهُوَ عَبْدٌ لَا يُعبْدُ، وَرَسُولٌ لَا يُكَذَّبُ.
٣ - قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى النَّهْي عَنِ الغُلوِّ مُطْلَقًا وَعَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ المَدْحِ، وَلَكِنْ نُهِيَ عَنْهَا خَوفًا مِمَّا تَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَيهِ.
=إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي … فَضْلًا وَإِلَّا فَقُلْ يَا زَلَّةَ القَدَمِفَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمُ اللوحِ وَالقَلَمِ".(١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (٥/ ٢٤٧).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute