فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَفِي الأَثَرِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَصْلِحُوا عَلَيكُمْ مَثَاوِيكُمْ، وَأَخِيفُوا هَذِهِ الجِنَّانَ قَبْلَ أَنْ تُخِيفَكُمْ، فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوهَا، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ عَادَينَاهُنَّ) (١)، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ: (فَإِنَّهُ لَنْ يَبْدُوَ لَكُمْ مُسْلِمُوهَا).

إِلَّا أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ أَنَّ الجِنَّ المُسْلِمَ -وَالصَّالِحَ جَدَلًا- إِنْ حَصَلَ مِنْهُ تَعَامُلٌ مَعَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ؛ فَلَيسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ فِي شَيءٍ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُم لَيسُوا بِمَعْصُومِينَ! فَلَو حَصَلَ شَيءٌ مِنْ هَذَا التَّعَامُلِ -وَإِنْ كَانَ فِي خَيرٍ- فَهُمْ مُخْطِئُونَ فِي ذَلِكَ كَحَالِ مُسْلِمِي الإِنْسِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُعَامِلُونَهُم (٢).

٤ - أَنَّ الجِنِّ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ كَانَ مِنْهُم مَنْ لَقِيَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتَمَعَ إِلَيهِ، وَأَسْلَمَ مَعَهُ (٣)، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عِنْدَهُم مِنَ القُدُرَاتِ وَالإِمْكَانَاتِ الَّتِي أَعْطَاهُم إِيَّاهَا اللهُ تَعَالَى مَا لَيسَ لِغَيرِهِم؛ وَقَدْ مَضَى زَمَنُ النُّبُوَّةِ وَزَمَنُ الصَّحَابَةِ (٤) وَلَمْ يَجْرِ فِيهِ الاسْتِعَانَةُ بِالجِنِّ


(١) حَسَنٌ. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٣٤٧).
(٢) أَفَادَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيِّ ﵀ فِي أَشْرِطَةِ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٩٥٢).
(٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْهُم فِي سُورَةِ الجِنِّ: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجِنّ: ١٣].
(٤) رَوَى أَحْمَدُ ﵀ فِي كِتَابِ (فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ) (ص ٣٠٤): عَنْ أَبِي مُوسَى الأشعريِّ؛ أَنَّهُ أبطأَ عَلَيهِ خَبَرُ عُمَرَ؛ وَكَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ لَهَا قَرِينٌ مِنَ الجِنِّ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَرَكَ عُمَرَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ جَيشًا، فَقَدِمَ شَخْصٌ إِلَى المَدِينَةِ فَأَخْبرَ أَنَّهُم انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِم وَشَاعَ الخَبَرُ، فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ فذُكِرَ لَهُ، فَقَالَ: (هَذَا أَبُو الهَيثَمِ بَرِيدُ المُسْلِمِينَ مِنَ الجِنِّ، وَسَيَأْتِي بَرِيدُ الإِنْسِ بَعْدَ ذَلِكَ)، فَجَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَيَّامٍ. أَورَدَهُ بَدْرُ الدِّينِ الشُّبليُّ فِي كِتَابِ (آكَامُ المَرْجَان فِي أَحْكَامِ الجَانِّ) (ص ١٣٩) بِدُونِ سَنَدٍ. اُنْظُرْ كِتَابَ (المُنْتَخَبُ مِنْ كُتُبِ شَيخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيمِيَّة) (ص ٩٩) لِلشَّيخِ عَلَوِيّ السَّقَّافِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>