الأخلاق، أعلم أيها القاضي! أني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلامي ليستعين بها في بعض أموره فردها مع الغلام، وَقَالَ للغلام: وقل له بأي عين رأيتني، وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي [١] حتى وجهت [٢] بهذا. فتعجبت من ذلك وقلت له: هات الدراهم، فإني أحملها إليه أنا. فدعا بها ودفعها إلى وَقَالَ: ناولني الكيس الأخير، فجاءه بكيس فوزن ألفا أخرى فقال: تيك لنا، وهذه لموضع القاضي وعنايته. فأخذت الألفين وجئت إليه، فقرعت بابه، فخرج وكلمني من وراء الباب وَقَالَ: ما رد القاضي؟
قلت: حاجة أكلمك فيها، فدخلت وجلست ساعة، ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره إنما بأمانة [٣] العلم أدخلتك إلي، ارجع فلا حاجة لي فيما معك.
قَالَ المحاملي: فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني، ودخلت على الجرجاني وأخبرته بما رأيت [٤] . فقال: أما أنا [فقد][٥] أخرجت هذه الدراهم للَّه تعالى، فلا ترجع في مالي [أبدا] فليتول القاضي [في][٦] إخراجها في أهل الستر [٧] والعفاف من المتجملين بالستر والصيانة على ما يراه، فقد أخرجتها عن قلبي [٨] .
أخبرنا [عَبْد الرَّحْمَنِ بن محمد] القزاز أخبرنا [أحمد بن علي] الخطيب حَدَّثَنَا [أبو طالب علي بن][٩] يحيى بْن عَلي الدسكري، أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بن المقرئ قَالَ:
سمعت علي بن حمزة. قَالَ: سمعت أبا بكر بن داود يقول: سمعت أبي يقول خير الكلام ما دخل الأذن بلا إذن [١٠] .
[١] «وخلتي» ساقطة من ك. [٢] في ك: «تهدي إليّ بهذا» . [٣] في ك: «إنها امانة» . [٤] في الأصل: «بما كان» . [٥] في الأصل: «اما إنه أخرجت» . [٦] في ك: «فليقل القاضي» وما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. [٧] في الأصل: «أهل البر» . [٨] تاريخ بغداد ٨/ ٣٧١، ٣٧٢. [٩] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل. [١٠] تاريخ بغداد ٨/ ٣٧٢.