لأن الأولين سبقوا إلى ابتكار المعاني الجزيلة بالألفاظ البليغة، وأحسن حالات المتأخرين أن يفهموا أغراضهم وينسجوا على منوالهم، وتبقى لهم فضيلة السبق.
ويقال لجرير: ابن الخطفاء، ولعلها أمه، وأما أبوه فعطيّة، وهو تميميّ، ومن أحسن قوله قصيدته في عبد الملك التي أولها:
أتصحو أم فؤادك غير صاح ... عشيّة همّ صحبك بالرّواح [١]
يقال: إنه لما أنشد عبد الملك هذا المطلع، قال له: بل فؤادك يا ابن الفاعلة، وعده بعضهم من الورطات في حسن الابتداء.
ومن القصيدة المذكورة:
سأشكر إن رددت عليّ ريشي ... وأنبتّ القوادم من جناحي
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح [٢]
وقال عبد الملك: من مدحنا فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ووهبه مائة ناقة، فسأله الرعاء، فوهبه ثمانية أعبد، ورأى صحاف ذهب بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين والمحلب [٣] وأشار إليها، فنحاها إليه بالقضيب، وقال: خذها لا نفعتك.
وكان عمر بن عبد العزيز لا يأذن لأحد من الشعراء غيره.
ولما مات الفرزدق بكى جرير وقال: إني لأعلم أني قليل البقاء بعده،
[١] البيت في شرح «ديوانه» للصاوي ص (٩٦) . وروايته فيه: «أتصحو بل فؤادك غير صاح ... » . [٢] البيتان في شرح «ديوانه» للصاوي ص (٧٨) . [٣] المحلب: الإناء. انظر «مختار الصحاح» ص (١٤٩) .