للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال له ذلك المملوك: هنا في دارك، وملكك بحلب.

فقال: ولك! كم لي غائب عنكم؟.

فقال: قدر ما غطست في الماء.

فقال: ويلك أنا لي غائب عنكم سنين، وغرقت فما طلعت إلا من ساحل بحر عدن، وتزوّجت امرأة هناك، بنت خطّاب، وأولدتها أولادا.

فقال المملوك: أعيذك يا خوند (١) بالله، وأعيذ عقلك. وكلما قال هذا يغتاظ الملك الظاهر ويقول: ويلك تغالطني، وتدهيني في عقلي؟. والمملوك يعيد قوله. فضحك السهروردي. ففطن الملك الظاهر، وقال له: هذه عملاتك (٢) معي!.

فقال له السهروردي: لا والله، بل هذه عملاتك أنت مع نفسك.

وأجريت ذكره مرة مع الشيخ العارف جمال الدين الحويزاوي شيخ الشيوخ بالديار المصرية، فقال: كان رجلا جليل القدر من أفراد العالم، وفضلاء الدهر، وأعيان أهل التصوف، وأخذ نفسه في أول حاله بالتجريد، واجتهد فيه، ولكن غلبت عليه شقاوته وجهل صباه؛ فقتل بسيف الشرع. ثم أنشد:

وذاك قتيل لا يطل له دم (٣)


(١): أي: يا سيدي.
(٢): بالدارجة بمعنى: أعمالك، وبمعنى أدق بتعبيرنا المعاصر: "مقالبك".
(٣): قال ابن خلكان: قال السيف الآمدي: اجتمعت بالسهروردي بحلب، فرأيته كثير العلم، قليل العقل، قال لي: لا بد أن أملك الأرض. رأيت كأني قد شربت ماء البحر!. فقلت: لعل هذا يكون اشتهار العلم، وما يناسب هذا. فرأيته لا يرجع. ولما أن تحقق هلاكه قال:
أرى قدمي أراق دمي … وهان دمي فها ندمي
قال ابن خلكان: حبسه الملك الظاهر ثم خنقه في خامس رجب سنة سبع. وقال بهاء الدين بن شداد: -

<<  <  ج: ص:  >  >>