للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أنا عصفور وهذا قفصي … طرت عنه فتخلى رهنا

وأنا اليوم أناجي ملأ … وأرى الله عيانا بهنا (١)

فاخلعوا الأنفس عن أجسادها … لتروا للحق حقا بيّنا

لا ترعكم سكرة الموت فما … هي إلا انتقال من هنا

قلت: حدثني شيخنا أبو الثناء الكاتب الحلبي - رحمه الله تعالى - عن أشياخه: أن الشهاب السهروردي كان لا يقرّ للملك الظاهر بمعرفة السيمياء (٢)، وينكر ذلك، وكان الملك الظاهر لا يشك في أنه يعرف ذلك، ويحب أن يراه، وكان لا يزال يقول له عن ذلك وهو ينكره، ويجحد.

فلما كان ذات يوم قال له: بالله يا مولانا! أرني شيئا من السيمياء.

فقال له: بسم الله - وكان الملك الظاهر واقفا على بركة يريد أن يغتسل فيها - ثم إن الملك الظاهر نزل فغطس، ثم طلع ومملوكه واقف بيده منشفة، فلما خرج ناوله المنشفة، فتنشّف ثم قال: أين أنا؟.


(١): قوله "بهنا": أي بهناءة.
(٢): علم السيمياء: كما قال حاجي خليفة في "كشف الظنون": اعلم أنه قد يطلق هذا الاسم على ما هو غير حقيقي من السحر، وهو المشهور. وحاصله: إحداث مثالات خيالية في الجو لا وجود لها في الحس، وقد يطلق على إيجاد صورها في الحس، فحينئذ يظهر بعض الصور في جوهر الهواء، ولا مجال لحفظ ما يقبل من الصورة في زمان طويل لرطوبته فيكون سريع القبول وسريع الزوال، وأما كيفية إحداث تلك الصور وعللها فأمر خفي لا اطلاع عليه إلا لأهله، وليس المراد وصفه وتحقيقه هاهنا بل المقصود هنا الكشف وإزالة الالتباس عن أمثاله.
وحاصله: أن يركب الساحر أشياء من الخواص، أو الأدهان، والمائعات، أو كلمات خاصة توجب بعض تخيلات خاصة كإدراك الحس ببعض المأكول والمشروب، وأمثاله.
وفي هذا الباب حكايات كثيرة عن ابن سينا والسهروردي المقتول - صاحب هذه الترجمة -.
انظر: كشف الظنون عن أسامي العلوم والفنون ٢/ ١٠٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>