للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

القرائح ووأدها، لا يجيء أرسطو منه سينه، ولا أفلاطون في جبلته طينه، لو أنه في زمن اليونان لجلس في صدر الرواق، ولا ستقلت طرائف المشائين حوله المشي على الأحداق، لعلم جمع بين علوم الإسلام واليونان، ووقع على ما يلقط مثله من الأفنان، ولم يقنع إلا بكل عباب، ولا رضي من جنات التصانيف حتى دعي إليها من كل باب، لو قرن به الفارابي لفر، أو الكندي لما كدّ نفسه ولا كر، بل لو تقدم في عصور الأوائل لتكلم وسكت كل قائل، وأقرّ كل طائر الصيت بأنه ما هو عنده طائل.

علم أعلام، ومملي كلام، ومالئ طروس (١) وأقلام. شعلة ذكاء، لم يبق شرق ولا غرب حتى أضاء فيه شعاعها، وامتدّ إليه شراعها، وأشرقت عليه شمسها، وانبسطت به شمسها، وغلب عليه صيتها، وغلّ به عفريتها، ومشت فيها الحكماء على قانونه (٢)، ورأت الشفاء بمضمونه، وعرفت الحكماء بإشاراته،


(١): جمع "طرس" بالكسر: الصحيفة، أو التي محيت ثم كتبت، قاله في القاموس مادة طرس.
(٢): أي: القانون في الطب "، من أشهر كتب الشيخ الرئيس، والذي كان له أكبر الأثر في تعظيم مكانة الشيخ الرئيس في الجانب الطبي، فصار اسم الكتاب واسم مؤلفه على ألسنة الأطباء منذ أن نشر الكتاب إلى يومنا هذا، لقد غطى كتاب القانون على الكتب الطبية السالفة له لحسن تبويبه وشموله الواسع للمادة العلمية، وما فيها من الأدوية والمفردات الطيبة، التي تدخل في التداوي. وميل ابن سينا إلى الجانب النظري في هذا الكتاب واضح جدا، وهذا ما جعل الكتاب سهل الفهم من القراء الأطباء وغير الأطباء. وكان كثير من عامة الناس طوال القرون الإسلامية يقرءون كتب الطب للمتعة والاستفادة الشخصية من معارف هذه الصنعة، فكان كتاب القانون بما فيه من أوصاف مبسطة عن الأمراض وأعراضها، واستعمال الأدوية من الأعشاب المعروفة، كتابا مثاليا لمثل هذه الطبقة من القراء. وكانت عند ظهور كتاب القانون ثلاثة كتب جامعة في الطب، أقدمها كتاب فردوس الحكمة للطبري، وهو كتاب يجمع بين الطب اليوناني والهندي والفارسي، كما يحتوي أيضا على كثير من الأفكار السقيمة والخرافات، فلما ظهر الكتاب الثاني وهو المنصوري لأبي بكر الرازي ذي النزعة العلمية الخالصة احتل مكان كتاب فردوس الحكمة، أما الكتاب الثالث: فهو الكتاب الملكي لعلي بن العباس المجوسي، وهو بحق كتاب ند لكتاب ابن سينا، وعلى الرغم من

<<  <  ج: ص:  >  >>