المسكون إليها، فلم أجد المأمون وجد به شيئا ولا استفاد زائدا عما يعلم الناس به علما.
وأدلّ الأدلة على أن أحدها هيكل بعض الكواكب، وأن الصابئة كانت تأتي حقيقة تحجّ الواحد وتزور الآخر، ولا تبلغ به مبلغ الأوّل في التعظيم. والله أعلم بحقيقة أمورها وجليّة أحوالها.
وهي أشكال لهبيّة. كأنّ كلّ هرم لهبة سراج. آخذة في أسافلها على التربيع مسلوبة في عمود الهواء، آخذة في الجوّ حتّى إلى التثليث. لولا استدارة سفل أبلوج (١) السّكّر لشبهناها به. ويحتمل أن يكون هذا الشكل موضوعا لبعض الكواكب لمناسبة اقتضته.
ولقد أصعدت غير مرّة، مارّا على الأهرام بجميع بلاد الجيزة، ورأيت منها ما دثر بعضه، وما دثر كله. فإذا هي مصفحة البناء، شيئا على شيء، لا فسحة في أوساطها، كما تكون ساحات الدور بين الجدران. وإنما هي بناء ملتصق على بناء، بعضها فوق بعض. ووجدت بعض الأهرام مبنيّة بالطوب. وهذا أكبر دليل على أنها لم تتّخذ ملجأ من [١٧٥] الطوفان.
فأما مقادر الهرمين المشار إليهما، في ارتفاعهما ومساحة أقطارهما، فإنه مذكور في الكتب ذكرا مستوعبا لم أحققه بالقياس. وأبى لي تحقيقي في هذا الكتاب أن أذكره بمجرّد التقليد، مع إمكان التحقيق، مع كثرة تردّدي عليها، وسكني بالقاهرة في جوارها. ولعذر مانع في وقت هذا التأليف، قعدت عن معاودتها بالنظر والتحقيق. على أن الهدم قد شرع في قلع هذه الآثار، ونقل أحجارها إلى الأبنية والمساكن. نبّه لها الدهر طرفا غافيا، وقلبا غافلا، فأصبحت