للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أسرع الناس مبادرة إليه، فقالوا: هذا دليل على عدم وجوبه على الفور.

والآخرون ردوا وقالوا: أبدًا ليس في هذا دليل؛ لأن الأصل في ذلك إنما هو المبادرة، ودعوى أنه فُرض في مكة أو في السنة الخامسة أو السادسة أو الثامنة، هذه كلها أقوال مرجوحة، وبعضها ضعيف، وإنَّما المشهور -بل القول الصحيح- أنه فرض في السنة التاسعة؛ بدليل أن آية الحج التي هي جزء من سورة آل عمران صدر تلك السورة إنما نزلت في عام الوفود (١)، وعام الوفود إنما كان في السنة التاسعة؛ أي: العام الذي كان يفد الناس إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه؛ ليأخذوا من علمه ويتفقهوا في دين اللَّه.

إذًا، ما الجواب عن ذلك؟

الجواب: إمَّا أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أَخَّر ذلك لعذر، والعذر لم يَظهر، أو أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- انشغل بأمرٍ لا يقل أهمية عن أداء الحج، وبالنسبة لأداء الحج في العام التاسع؛ لأن ذاك العام -كما أشرنا- إنما هو عام الوفود، وكان الناس يأتون إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن كل حدب وصوب، يأتون من أطراف الجزيرة ووسطها إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ ليتفقهوا في دين اللَّه، وليعلن بعضهم إسلام أقوامهم، ولذلك انشغل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بأمر هو في غاية الأهمية؛ لأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كما عملتم سابقًا -وهو من المحافظين المداومين على السُّنن الرواتب- رأينا أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- انشغل عن الركعتين بعد الظهر عندما جاءه وفد بني عبد قيس بإسلام قومه، وصلَّاها بعد العصر (٢)،


(١) كان عام الوفود في السنة التاسعة - دخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، كما أعلم اللَّه سبحانه وتعالى رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- بذلك، وجعله علمًا لقرب أجله. انظر: "حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار"، لمحمد بن عمر بحرق (ص ٣٦٥)، و"سيرة ابن هشام" (٢/ ٥٥٩).
(٢) يعني: الحديث الذي أخرجه البخاري (١٢٣٣) ومسلم (٨٣٤)، عن كريب: "أنَّ ابن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أزهر عَزَّ وَجَلَّ أرسلوه إلى عائشة -رضي اللَّه عنها-، فقالوا: اقرأ عليها السلام منا جميعا، وسَلْها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إنا أُخبرنا عنك أنك تُصلينهما، وقد بلغنا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عنها، وقال ابن =

<<  <  ج: ص:  >  >>