عن الحج من ناحية أُخرى، وهي عدم وجود فاصل؛ لأنك إذا ما أَخَّرت الحج إلى عام قادم، فستمر بك أشهر لا يمكن أن تؤدي العبادة فيها؛ لأن الحج إنما يؤدى في أوقات محددة معروفة، لكن الصلاة وقتها مُضَيَّق مهما كان موسعًا، وذلك بالنسبة للحج، وأنه لا يتجزأ؛ أي: لا يوجد فاصل خارج عنه، ولذلك القياس (١) عليها غير وارد؛ لأنه قياس -كما هو معروف- مع الفارق الذين يقولون: إن الحج ليس على الفور، ويقولون: إن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَّ -على المشهور- في العام العاشر، وقيل: إن الحج فُرض في السنة الخامسة. وقيل: في السنة السادسة. وقيل: في السنة الثامنة. وقيل: في السنة التاسعة. وقيل أيضًا: في العاشرة. وقيل أيضًا: قبل أن يُهاجر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة (٢)، ومهما كان فالقول المشهور أنه في العام العاشر؛ فيقولون: لماذا أَخَّر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الحج إلى العام العاشر، مع أنه لم يظهر هناك مانع شرعي يمنع الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من أداء الحج قبل ذلك العام؟
قد يقال: إنه قبل فتح مكة هناك مانع، وربما يصده المشركون، ومكة بعدُ لم تكن بلد إسلام، لكنها فتحت -كما هو معلوم- في العام الثامن، والرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يحج في العام التاسع، وإنما أَرسل أبا بكر أميرًا على الناس في الحج، إذًا قالوا: هذا دليل على أن الحج ليس على الفور، وإنما هو على التراخي؛ لأنه لو كان على الفور لكان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-
(١) القياس هو: رَدُّ فرع إلى أصل بعلة جامعة بينهما. وقيل: حمل الفرع على الأصل بعلة الأصل. وقيل: موازنة الشيء بالشيء. وقيل: اعتبار الشيء بغيره. انظر: "العدة في أصول الفقه"، لأبي يَعلى الفراء (١/ ١٧٤). (٢) قال الحافظ ابن كثير: "وكان فرض الحَجِّ في السنة السادسة في قول بعض العلماء، وفي التاسعة في قول آخرين منهم، وقيل: سنة عشر، وهو غريب، وأغرب منه ما حكاه إمام الحرمين في "النهاية" وجهًا لبعض الأصحاب: أن فرض الحج كان قبل الهجرة. انظر: "الفصول في السيرة" (ص ٢٢٧).