الإنسان إذا تَمَكَّن من أداء الحج بشروطه المعروفة التي مَرَّت بنا: أنه يلزمه أن يُؤديه في ذلك الوقت الذي اجتمعت فيه شرائط الحج وليس له أن يؤخره، أم أن عمر الإنسان ظرف لهذا الركن، فمتى ما أداه في أيِّ وقت -سواء بادر بأدائه أو أَخَّره- فإن ذلك مكان لأدائه؟
وثمرة الخلاف تظهر هنا فيمن أَخَّر الحج فأدركته المنية، مع قدرته على أدائه قبل وفاته، أمَّا مَن يدركه الموت وهو عن أدائه، إمَّا ببدنه أو بماله، أو لوجود عارض من العوارض الذي يمنعه كأن يكون الطريق غير آمن، ففي هذه الحالة يختلف الحال، أما الذي هو محل خلاف أو ثمرة الخلاف فيمن قدر على أداء الحج وأَخَّره مع القدرة عليه العلماء.
فقد اختلفوا في ذلك؛ فمنهم مَن يرى أنَّه يَجب على المسلم إذا قَدر على أداء الحج: أن يُبادر إلى ذلك، وألا يؤخره إلى وقت آخر، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة من كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ومن سنة نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أما من الكتاب: فقول اللَّه تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}، فـ (على)(١) مِن صيغ الوجوب، والأمر عادة عندما يُطلق إنما ينصرف في أول أمره إلى الفورية.
إذًا، هذه الآية دليل على وجوب الحج، وهي -أيضًا- تدل على وجوبه عند القدرة عليه؛ لأن الأمر فيها صريح، فلا يجوز أن يؤخر ذلك عن وقت القدرة عليه.
وصَحَّ عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال:"أيُّها الناس، إنَّ اللَّه كتَبَ عليكم الحَجَّ فَحُجُّوا"(٢)؛ أي: فرض عليكم الحج، وفي رواية: "يا أيُّها الناس،
= إن أخَّر بلا عذر، بناءً على أنَّ الأمر المطلق للفور، ويُؤيده خبر ابن عباس مرفوعًا قال: "تَعَجَّلوا إلَى الْحَجِّ -يَعْنِي الْفَرِيضَةَ- فَإِنَّ أَحَدَكمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ"، رواه أحمد". (١) هي كلمة إيجاب، يعني: لفظ (على) مِن صيغ الإلزام. انظر: "فتح القدير" لابن الهمام (٢/ ١٤). (٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢٣٠٤)، عن ابن عباس، قال: "خطبنا -يعني: رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "يا أيها الناس، كُتِب عليكم الحَجُّ"، قال: فقام الأقرع بن =