قد فرض اللَّه عليكم الحج فَحُجُّوا" (١) في الحديث المطول في هذه الرواية.
ثم -أيضًا- يقول هؤلاء: أليس اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يأمرنا بأن نُسارع إلى فِعل الخيرات، وأن نبادر إلى طلب المغفرة منه، وأن نتسابق في فعل الأفعال الحسنة التي تُقربنا إلى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وتُجنبنا معاصيه، واللَّه تعالى يقول:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}[آل عمران: ١٣٣]، ويقول تعالى:{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}[البقرة: ١٤٨]، فإن أداء الفرض في أول وقته مع القدرة عليه إنما هو مبادرة إلى فعل الخيرات ومسارعة إلى ذلك، والأدلة على ذلك كثيرة جدًّا، فلا نريد أن نسترسل فيها.
وأما الذين قالوا: إن الحج واجب، لكنه يجب على التراخي؛ أي: يجوز للإنسان مع قدرته -مثلًا- أن يؤديه في هذا العام، وله أن يؤخره إلى العام القادم، أو الذي يليه، أو الذي يليه، وهكذا.
ويؤيدون ذلك بأن عمر الإنسان إنَّما هو بمثابة ظرف لذلك، فله أن يؤدي هذه الفريضة في أي جزء وفي أي وقت من هذا الظرف المُوَسَّع، ويقيسون -أيضًا- ذلك على الصلاة، ويقولون: أليس للصلاة وقت، ووقتها له أول وآخر، كما بَيَّن ذلك جبريل عندما صَلَّى برسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢)،
= حابس، فقال: أَفِي كل عام يا رسول اللَّه؟ قال: "لو قُلتها لَوَجبت، ولو وَجَبت لم تَعملوا بها -أو: لم تستطيعوا- أن تَعملوا بها؛ الحَجُّ مَرَّة؛ فمَن زاد فهو تَطوع"، وصححه الأرناؤوط. (١) أخرجه مسلم (١٣٣٧). (٢) يعني: حديث ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَمَّني جبريل عليه السَّلام عند البيت مَرَّتين، فَصَلَّى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قَدر الشِّراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي -يعني المغرب- حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظِله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر"، ثم التفت إليَّ فقال: "يا محمد، هذا وقت الأنبياء مِن قَبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين"، أخرجه أبو داود (٣٩٣)، وغيره، وصححه الألباني في "المشكاة" (٥٨٣).