إذًا، ثبت أخذ الأجرة على الأذان، وثبت -أيضًا- أخذ الأجرة على الرقية، فالرقية إنما هي على شيء من كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وجاء فى الحديث:"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب اللَّه"(١)، وهذا -أيضًا- جاء بمناسبة الرقية، وهناك -كما قلنا- من منع ذلك، فهل يجوز للإنسان أن يأخذ الأجرة؟
نحن نقول: الأَوْلَى ألا يأخذ، وإن أَخَذَ فليأخذ النفقة فقط، كما قال المالكية (٢)، وهذا رأي -حقيقةً- دقيق في مذهب المالكية، يعني: يَقسمون الأجر إلى قسمين.
الأول: شيء يأخذه الإنسان بلاغًا، والبلاغ: ما يُبلغك؛ أي: يُوصِّلك إلى المكان الذي تريد الوصول إليه، يكفيه للذهاب إلى الحج، فإن نقص يعطيه، وإن زاد رده.
الثاني: الأجرة أن تأخذ -مثلًا- منه خمسة آلاف ريال، وربما لا تصرف إلا ألفًا أو ألفين والباقي تضعه فى جيبك؛ فتستفيد منه، هذا هو محل الخلاف، والرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول:"مَن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومَن وقع في الشبهات قد وقع في الحرام"(٣)، ونحن نقول:
= لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا؛ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ. . . ". (١) أخرجه البخاري (٥٤٠٥). (٢) قال الخرشي في "شرح مختصر خليل" (٧/ ١٩): "ومما هو مكروه: أخذ الأجرة على تعليم الفقه؛ لِئلا يَقل طالبه، والمطلوب خلافه، وكذلك يُكره أخذ الأجرة على تعليم فقه الفرائض؛ للعلة المذكورة، وكذلك يُكره بيع كتب الفقه ما لم يكن مفلسًا، كما مر في الفلس: أنه جائز؛ لضرورة الغرماء، وأما أخذ الأجرة على تعليم علم الفرائض فلا كراهة فيه، وعطف (فرائض) على (فقه) مِن عطف الخاص على العام". (٣) يعني: الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٢) من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: "سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَقُولُ: "وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّن، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي =