كنتَ تحبُّ أن تُطوق طوقًا من نار فَخُذه" (١)، إن أردت أن يكون قوسًا من نار فخذه، فكان منه ما كان منه إلا أن رفضه.
والرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "واتَّخِذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا"، لكننا نجد أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أَذِن في إعطاء الأجرة على الأذان (٢)، وقد أعطى أبا محذورة، لكن الذين منعوا قالوا: إنما أعطاه؛ لأنه كان في أول الأمر -في أول الإسلام- فأراد الرسول أن يتألفه، وأنتم تعلمون أن من الأصناف التي تُصرف لهم الزكاة: المؤلفة قلوبهم؛ قال تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ}، وكذلك قالوا أيضًا: الصحابة -رضي اللَّه عنهم- الذين مروا بجماعة من الناس في قوم وأرادوا أن يضيفوهم؛ فأبوا، فلدغ لهم لديغ، فطلبوا منهم أن يرقوا هذا الذي لُدغ، فما كان منهم إلا أن رقوه، بشرط أن يعطوهم شيئًا، فأخذوا ذلك الشيء، واستفتوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأقرهم على ذلك (٣).
(١) أخرجه ابن ماجه (٢١٥٨)، عن أُبَي بن كعب، قال: "عَلَّمت رجلًا القرآن، فأهدى إليَّ قوسًا، فذكرت ذلك لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "إن أخذتَها أخذت قوسًا من نار"، فرددتُها"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٤٩٣). (٢) يعني: الحديث الذي أخرجه النسائي (٦٣٢)، عن أَبي مَحْذُورَةَ، قَالَ لَهُ: "خَرَجْتُ فِي نَفَرٍ، فَكُنَّا بِبَعْضِ طَرِيقِ حُنَيْنٍ مَقْفَلَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنْ حُنَيْنٍ، فَلَقِيَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فِي بَعْضِ الطَّرِيق، فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِالصَّلَاةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَسَمِعْنَا صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ وَنَحْنُ عَنْهُ مُتَنَكِّبُونَ، فَظَلِلْنَا نَحْكِيهِ وَنَهْزَأُ بِهِ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- الصَّوْتَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا حَتَّى وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أَيُّكُمُ الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ قَدِ ارْتَفَعَ؟ "، فَأَشَارَ الْقَوْمُ إِلَيَّ وَصَدَقُوا، فَأَرْسَلَهُمْ كُلَّهُمْ، وَحَبَسَنِي فَقَالَ: "قُمْ، فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ"، فَقُمْتُ فَأَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ. . . "، الحديث، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي". (٣) يعني: الحديث الذي أخرجه البخاري (٥٤١٧)، عن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَروهَا، حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَب، فَاسْتَضَافُوهُمْ؛ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، فَسَعَيْنَا =