للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال المصنف رحمه اللَّه تعالى: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الإِنْصَاتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ).

يقصد المؤلف بالإنصات يوم الجمعة الإمساك عن الكلام (١). والكلام -كما نرى- عامٌّ، فهناك كلام عام لا يترتب عليه ثمرة، ومن الكلام أيضًا رد السلام وتشميت العاطس ونحو ذلك.

لكن هناك من الكلام ما أجمع العلماء أنه يجب فعله، حتى الذين يقولون بوجوب الاستماع وتحريم الكلام يرون جواز ذلك، ومن ذلك مَن اتَّجهت إليه عقرب فينبَّه لذلك أو يرى حريقًا أو نحو ذلك، فإنه في هذه الحالة يتكلم، فهذه لا تدخل في المنع (٢). لكن يختلف العلماء بعد ذلك في الكلام، هل هذا عام في كلِّ كلام؟ أو أنه يستثنى منه مثلًا إذا سلم عليه إنسان فردَّ عليه السلام أم لا؟ كذلك إذا عطس إنسان هل يشمته (٣) أو لا؟ وهذا كلُّه سوف يذكره المؤلف.


(١) "الإنصاتُ": السكوت للاستماع. انظر: "مجمل اللغة"، لابن فارس (ص: ٨٧٠).
(٢) انظر في مذهب الأحناف: "حاشية ابن عابدين" (٢/ ١٥٩)، وفيه قال: " (قوله من خيف هلاكه) الأولى ضرره قال في البحر أو رأى رجلًا عند بئر فخاف وقوعه فيها أو رأى عقربًا يدب إلى إنسان فإنه يجوز له أن يحذره وقت الخطبة. قلت: وهذا حيث تعين الكلام؛ إذ لو أمكن بغمز أو لكن لم يجز الكلام تأمل".
وانظر في مذهب المالكية: "الذخيرة"، للقرافي (٢/ ٥١)، وفيه قال: "فرع قال صاحب الطراز فإن عرض له مهم كأعمى يخشى عليه من الوقوع في حفير ففي الواضحة يتكلم ويبتدئ وهو قول الشافعي قياسًا على الخطبة فإن الكلام فيها ممنوع إلا لضرورة".
وانظر في مذهب الشافعية: "التهذيب في فقه الإمام الشافعي"، للبغوي (٢/ ٣٤١)، وفيه قال: "ولو رأى رجلًا يقع في بئر أو عقربًا يذب عنه لم يحرم كلامه قولًا واحدًا؛ لأن الإنذار يجب لحقّ الآدمي، والإنصات لحقِّ اللَّه تعالى، ومبناه على المُساهلة".
وانظر في مذهب الحنابلة: "المغني"، لابن قدامة (٢/ ٢٤٥)، وفيه قال: "فأما الكلام الواجب، كتحذير الضرير من البئر، أو من يخاف عليه نارًا، أو حية أو حريقًا، ونحو ذلك، فله فعله؛ لأن هذا يجوز في نفس الصلاة مع إفسادها، فهاهنا أولى".
(٣) "التشميت": هو الدعاء، وكل داع لأحد بخير فهو مشمت له. انظر: "غريب الحديث"، للقاسم بن سلام (٢/ ١٨٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>