وقال المصنِّفُ: وقد رُوِيَ لنا فِي ذهابِ عينِ هذا الرجلِ ما هُو أظرفُ ممَّا ذَكرنَا:
فأخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ الباقِي بن أحمد، قال: أنا حَمدُ بنُ أحمد الحدَّاد، قال: أخبَرنا أبو نُعيمٍ، قال: سمعتُ أبا أحمد القَلانِسيَّ يقول: قالَ أبو عليٍّ الروذبارِي يحكِي عن أبي بكرٍ الزَقَّاق، قال: استضفتُ حيًّا من العَربِ، فرَأَيتُ جاريةً حسناءَ، فنظَرتُ إليها، فقلَعتُ عينِي التي نظرْتُ بها إليها، فقالت: فمثلك من نَظر لله (١).
قال المصنِّفُ ﵀ قلت: فانظرُوا إلى جَهلِ هذا المسكِينِ بالشرِيعةِ والتعبُّد؛ لأنّهُ إن كانَ نظرَ إليهَا عن غَيرِ تعمُّدٍ فلا إثمَ عليهِ، وإن كانَ تعمَّد فقد أتَى صغِيرةً قد كانَ يكفيهِ منها الندمُ فضمَّ إليها كبِيرةً وهي قلعُ عينِهِ، ولم يتُب مِنها؛ لأنَّه اعتقدَ قلعَهَا قربةً إلى اللهِ سبحانه، ومن اعتقدَ المحظورَ قُربة فقد انتهى خَطؤهُ إلى الغَايةِ!
ولعلَّهُ سمعَ تلكَ الحكايةَ عن بعضِ بني إسرائيل أنَّهُ نظرَ إلى امرأةٍ فقلَعَ عينهُ، وتلكَ مع بُعدِ صِحَّتِها رُبَّما جازت فِي شَريعتِهِم (٢) فأمَّا شريعتُنا فإنها حرَّمت هَذا.
وقَد رُوِيَ عن بعضِ عابِداتِ الصُّوفِيَّة مثلُ هذا:
أخبرنا أبو بكرِ بن حبيبٍ العامري، قال: أخبرنا أبو سَعيدِ بنُ أبي صادقٍ، قال: أخبَرنا ابنُ باكويه، قال: أخبَرني أبو الحسَنِ عليُّ بنُ أحمدَ البصرِي، غلامُ شَعْوانةَ، قال: أخبرتني شَعْوانةُ أنَّهُ كانَ في جِيرانِها امرأةٌ صالحة، فخَرجَت ذاتَ يومٍ إلى السُّوقِ، فرآهَا بعضُ النَّاس فافتُتِن بها، وتبِعهَا إلى بابِ دارِها، فقالت له المرأة: أيُّ
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠/ ٣٤٤. (٢) ذكر الذهبي نحوها من أنه نظر إليها فعمي. السير ١/ ٥٥٧.