سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِخْبَارُ، وَلَكِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْفَتْوَى فِي الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ (١) وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الرَّسُولِ بِمَا سُمِعَ عَنْهُ وَمِنْهُ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إِيجَابِ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ إِيجَابُ الْحَذَرِ عَلَى مَنْ أَخْبَرَ (٢) .
قَوْلُكُمْ يَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: (لَعَلَّ) عَلَى طَلَبِ الْحَذِرِ لِكَوْنِهِ مُلَازِمًا لِلتَّرَجِّي.
قُلْنَا: الطَّلَبُ الْمُلَازِمُ لِلتَّرَجِّي الطَّلَبُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى مَيْلِ النَّفْسِ أَوْ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْحَذَرُ مَأْمُورًا بِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا (٣) .
وَمَعَ تَطَرُّقِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ عَلَى كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً فِي خَارِجٍ عَنْ بَابِ الظُّنُونِ فِيمَا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأُصُولِ، وَالْخَصْمُ مَانِعٌ لِصِحَّتِهِ (٤) .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ التَّثَبُّتِ عَلَى خَبَرِ الْفَاسِقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ بِخِلَافِهِ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْجَزْمِ بِرَدِّهِ أَوْ بِقَبُولِهِ، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا كَانَ خَبَرُ الْعَدْلِ أَنْزَلَ دَرَجَةً مِنْ خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهُوَ مُحَالٌ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ سَاعِيًا إِلَى قَوْمٍ، فَعَادَ وَأَخْبَرَ
(١) الْإِنْذَارُ عَامٌّ لِحَذْفِ مَفْعُولِهِ، فَيَشْمَلُ الْإِنْذَارَ بِالنَّهْيِ وَبِالْفَتْوَى، فَحَمْلُهُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِالْفَتْوَى تَخْصِيصٌ لِلْعَامِّ بِلَا دَلِيلٍ.(٢) لَعَلَّ: التَّعْلِيلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِذَا وَجَبَ إِنْذَارُهُمْ لِيَحْذَرُوا كَانَ حَذَرُهُمْ وَاجِبًا بِالْأَوْلَى.(٣) تَقَدَّمَ مَا فِيهِ تَعْلِيقًا.(٤) تَقَدَّمَ رَدُّ الِاحْتِمَالَاتِ، فَتَمَّ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ إِخْبَارَ الْآحَادِ حُجَّةٌ، وَأَمَّا أَنَّهَا دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، فَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، فَإِنَّ قَوَاعِدَ الْأُصُولِ مِنْهَا قَطْعِيَّةٌ وَظَنِّيَّةٌ، وَهُمْ يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهَا بِأَدِلَّةٍ ظَنِّيَّةٍ، بَلْ وَهْمِيَّةٍ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ تُفِيدُ بِمَجْمُوعِهَا الْقَطْعَ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهَا ظَنِّيَّةً كَمَا سَيَجِيءُ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute