[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الخلاف فيما يحتاج إليه الاسم في إطلاقه على مسماه المجازي]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
اخْتَلَفُوا فِي إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى مُسَمَّاهُ الْمَجَازِيِّ: هَلْ يَفْتَقِرُ فِي كُلِّ صُورَةٍ إِلَى كَوْنِهِ مَنْقُولًا عَنِ الْعَرَبِ، أَوْ يَكْفِي فِيهِ ظُهُورُ الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّجَوُّزِ كَمَا عَرَفْنَاهُ أَوَّلًا. (١) فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي ذَلِكَ النَّقْلَ مَعَ الْعَلَاقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنِ اكْتَفَى بِالْعَلَاقَةِ لَا غَيْرُ.
احْتَجَّ الشَّارِطُونَ لِلنَّقْلِ بِأَنَّهُ لَوِ اكْتَفَى بِالْعَلَاقَةِ لَجَازَ تَسْمِيَةُ غَيْرِ الْإِنْسَانِ نَخْلَةً لِمُشَابَهَتِهِ لَهَا فِي الطُّولِ كَمَا جَازَ فِي الْإِنْسَانِ، وَلِجَازَ تَسْمِيَةُ الصَّيْدِ شَبَكَةً، وَالثَّمَرَةِ شَجَرَةً، وَظِلِّ الْحَائِطِ حَائِطًا، وَالِابْنِ أَبًا تَعْبِيرًا عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِأَسْمَاءِ أَسْبَابِهَا لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَسْبَابِهَا مِنَ الْمُلَازَمَةِ فِي الْغَالِبِ، وَهِيَ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُصَحِّحَةِ لِلتَّجَوُّزِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِ الِاسْتِعْمَالِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ وَمَحَلِّ التَّجَوُّزِ كَافِيًا فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ، وَحَيْثُ وُجِدَتِ الْعَلَاقَةُ الْمُجَوِّزَةُ لِلْإِطْلَاقِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَامْتَنَعَ الْإِطْلَاقُ، فَإِنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ الْمَنْعِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا لِلتَّوَقُّفِ عَلَى نَقْلِ اسْتِعْمَالِهِمْ لِلِاسْمِ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ نَقْلُ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ مُعْتَبَرًا فِي مَحَلِّ التَّجَوُّزِ فَتَسْمِيَتُهُ (٢) بَاسِمِ الْحَقِيقَةِ إِمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ لِلْوَاضِعِ الْمُتَأَخِّرِ.
الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ لِمَا يَأْتِي. (٣) وَالثَّانِي، فَلَا يَكُونُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ. (٤)
(١) بَحْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ص ٤٠٠ - ٤٩٩ ج ٢٠ مِنْ فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.(٢) الْمُوَافِقُ لِلُّغَةِ أَنْ يَقُولَ لَكَانَ تَسْمِيَتُهُ بِاسْمِ الْحَقِيقَةِ إِلَخْ ; لِأَنَّ الْفَاءَ لَا تَقَعُ فِي جَوَابِ " لَوْ " وَلَا الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إِلَّا مَقْرُونَةً بِاللَّامِ، عَلَى تَأْوِيلٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ) .(٣) أَيْ مَنْ مَنَعَ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ.(٤) لَوْ قَالَ: وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ لَكَانَ أَوْفَقَ لِقَوَاعِدِ اللُّغَةِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute