﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ واصل الاعتزال: العدولُ عن الشيء، ولمَّا كان الإنسان قد يتحمَّل الأذى ولا يراه محرَّمًا، صرَّح بالحكم ولم يكتفِ بذكر العلة، وإنما أكَّد بصيغتي نهي وأمر مبالغةً في المنع؛ لِمَا أن الزوجين يجتمعان غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهراً، والدليل على أن المراد الاجتناب عن مجامعتهن قوله ﵇:"إنما أمركم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهنَّ من البيوت كفعل الأعاجم "(١)، وهو الاقتصادُ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض.
﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بيان لغايته؛ أي: يخرجن من الحيض بانقطاع الدم، وإذا كان أيامُها عشرةً فكما (٢) انقطع حلَّ وطؤها (٣)، وإذا كانت دون ذلك وانقطع واغتسلت فكذلك، وإذا لم تغتسل ومضى عليها وقتُ صلاةٍ (٤) فكذلك، خلافاً لزُفرَ والشافعيِّ فإنهما قالا: لا يحلُّ بحالٍ قبل الاغتسال، واحتجَّا بقراءة التشديد (٥)؛ فإن التطهُّر (٦) الاغتسالُ، ونحن نعمل بالقراءتين في حالين، وفيه نظر؛ لأن شرط العمل بالمفهوم أن لا يكون مخالفًا للمنطوق، ومفهومُ قراءة التخفيف مخالفٌ لمنطوق قراءة التشديد.
(١) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٦٥). وقال الحافظ في "الكاف الشاف " (ص: ١٨): لم أجده. (٢) في (د): "فيما". (٣) في النسخ: " وطئها"، والصواب المثبت. (٤) كلمة: "صلاة" ليست في (ف) و (م). (٥) أي: (يَطَّهَّرن)، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم. انظر: "التيسير" (ص: ٨٠). (٦) في (ح) و (ف) و (ك) و (م): "التطهير"، والمثبت من (د)، وهو الصواب؛ لأن التطهير مصدر: طهَّر، والقراءة بالتشديد من: تطهَّر، الذي مصدره: التطهُّر، ومضارعه: يتطهر، فأدغمت التاء في الطاء فصار: يطَّهَّر.