للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح (١) استهجانًا واستقباحًا لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً.

﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استئنافٌ يبيِّن سبب الإحلال، وهو قلَّةُ الصبر عنهنَّ وصعوبةُ اجتنابهن لكثرة المخالَطة وشدةِ الملابَسة، وفي تقديم ﴿هُنَّ لِبَاسٌ﴾ (٢) نوعُ تأييدٍ له، حيث كان ذلك لزيادة الشَّغَف من جانبه، شبَّه الرجل والمرأة في تعانُقهما واشتمالِ كلٍّ منهما على صاحبه في عناقه باللِّباس المشتمِل عليه، قال الجعدي:

إذا ما الضِّجيع ثَنَى عِطْفَه … تثنَّتْ فكانَتْ عليه لِباسًا (٣)

وأفرد اللباس لأنَّه (٤) كالمصدر.

﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تظلِمونها بتعريضِها للعقاب، وتنقيصِ حظِّها من الثواب.

والاختيانُ أبلغ من الخيانة؛ كالاكتساب من الكسب، لتضمُّنه معنى (٥) القصدِ والزيادة.

والخيانة ضدُّ الأمانة، وقد ائتمَن اللّه عبادَه على ما أمَرهم به ونهاهم عنه، فإذا عصَوه في السرِّ فقد خانوه، وفي زيادة ﴿كُنْتُمْ﴾ دلالةٌ على أنهم مجبولون على ذلك، ففيه نوعُ إشارة إلى وجهِ قبول توبتهم، ولهذا أتى بأداة التفريع في قوله:


(١) في (ك) و (م): "القبح".
(٢) في (د): ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾.
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٣٠)، وهو في ديوان النابغة الجعدي (ص: ٨١) برواية: (ثنى جيدها).
(٤) في (ف): "كأنه".
(٥) كلمة: "معنى" ليست في (د).