للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
مسار الصفحة الحالية:

﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ جعَلوا محاجَّتهم بكتاب الله تعالى وحُكمه محاجةً عنده؛ كما يقال: عند الله كذا، ويراد أنه في كتابه وحكمه كذا، وعلى هذا يكون ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بدلًا عن قوله: ﴿بِهِ﴾ أو ظرفًا مستقرًّا بمعنى: ليحاجوكم بما قلتم حال كونه في كتابكم.

وقيل: المعنى: عند ربكم يوم القيامة. لا يقال: إن اليهود يعلمون أنهم يوم القيامة محجوجون حدَّثوا أو لم يحدِّثوا؛ لأن ذلك العلم لعلمائهم لا لكلِّهم، فلا ينافي تحذيرَهم الجهَّالَ منهم بذلك القول إبقاءً لهم على اليهودية، ولأنَّ [محجوجيَّتهم يومَ القيامة من الله لا تنافي] (١) احترازَهم عن كونهم محجوجين من جهة الخصم، فإن ذلك لازم إن حدَّثوا ومندفعٌ إن لم يحدِّثوا في زعمهم.

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أفليس لكم عقلٌ حتى تدركوا فسادَ ما فعلتُم، وهذا من تمام كلام اللائمين.

* * *

(٧٧) - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.

﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ مقابَلةٌ لهم بذلك التجهيل والتوبيخ والتعجيب مع التقرير؛ أي: أتنكرون عليهم ولا تعلمون أن الفساد في قولكم مضاعَف.

﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلمهما على السَّواء، وللقصد إلى معنى التسوية ذكر قوله: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مع أن قوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يغني عنه، ونظيرُ هذا قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] في القصد إلى المعنى المذكور.


(١) ما بين معكوفتين من "حاشية الشهاب على البيضاوي" (٢/ ١٨٩).