﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ (لولا) هنا للتحضيضِ، ضمَّنَها معنى التوجُّعِ والتأسُّفِ الذي ينبغِي أن يقعَ من البشرِ على هذه الأممِ الذي لم تهتَدِ.
﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أولو فضلٍ وصبرٍ، وإنما سمِّي بقيةً لأن الرجل يستبقِي مما يخرجِهُ (١) أجودَه وأفضلَهُ، فصارَ مثلًا في الجودة والفضلِ، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجالِ بقايا، وقوله ﵇ في العباس ﵁:"هذا بقيَّةُ آبائي"(٢).
ويجوزُ أن يكونَ مصدرًا كالتقيَّة (٣)؛ أي: ذوو إبقاءٍ على أنفُسِهم وصيانةٍ لها من العذابِ، ويؤيدهُ أن قرئ:(بَقْيَةٍ)(٤)، وهي المرةُ مصدرُ بَقَاه يَبْقِيهِ: إذا راقبه.
﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ولكنَّ قليلًا ممن أنجينا من القرونِ نهوا عن الفساد وأكثرُهم تاركون للنهيِ، على أن (مِن) للبيانِ لا
(١) في (ف): "مما يحترمه". (٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٢٢١٢) عن مجاهد مرفوعًا مرسلًا، والطبراني في "الكبير" (١١١٠٧) من حديث ابن عباس، وفي "الأوسط" (٤٢٠٩) من حديث الحسن بن علي، ﵃، وفي إسناديهما ضعف. (٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ١٥١). وعند غير البيضاوي فيه تفصيل، ولفظه: (ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى). انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٧)، و"تفسير أبي السعود" (٤/ ٢٤٦)، و"روح المعاني" (١٢/ ١٥٥). (٤) ذكرها الزمخشري دون نسبة، انظر: "الكشاف" (٢/ ٤٣٧).