للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وضمن إعلان النتيجة الإستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن ما فيه من البراءة من الشركاء نظير نفي الإلهية الحقة عن الشركاء في كلمة التوحيد، وما فيه من إسلام وجهه الله نظير الإستثناء في كلمة التوحيد، لدلالته على إثبات الإلهية الحقة الله، ومثله قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ (١)، وهذا الضرب من الإستدلال قد سلك سبيله في المناظرة كثير من العلماء قديما وحديثا، وقد جاء في الكتاب والسنة كثيرا لكن على منهج العرب في حديثهم وطريقتهم في المناظرة والحجاج، فإن رسالة نبينا محمد قد بدأت في العرب، وبلغتهم نزل القرآن على طريق الصناعة المنطقية، حيث يقولون في مثل هذا الموضع إجمالا: لو كانت هذه الكواكب أربابا أو آلهة ما حالت وزالت، لكنها تحول وتزول، فليست أربابا، فإن الله حي دائم لا يحول ولا يزول.

فللداعية إلى الإسلام أن يسلك هذه الطريقة - طريقة إبراهيم حسبما تقتضيه الحال، فيتنزل مع مناظرة من دعاة الباطل، ويفرض دعواه واقعة، ويرتب عليها لوازمها الباطلة وأثارها الفاسدة، ثم يكر عليها بالنقص والإبطال، وقد توجب عليه الأحوال والظروف سلوكها والدعوة بها أحيانا، فإن الدعوة إلى الحق كما تكون بتزيينه وذكر محاسنه للترغيب فيه واستمالة النفوس إليه، تكون بتشويه الباطل وذكر مساويه ومخازيه، تنفيرا منه، ليهرب المبطلون عنه، وتنفتح قلوبهم للحق، فيلتزموه.

هذا، وقد ذهب جماعة من المفسرين وغيرهم إلى ما تقدم من أن حديث إبراهيم في شأن الكواكب مع قومه كان على سبيل المناظرة والحوار مع المشركين، ليقيم عليهم الحجة لا ليكسب هدي بعد حيرة، ولا ليستفيد علما بعد شك، واختار ذلك ابن كثير في تفسيره، فقال: والحق أن إبراهيم


(١) سورة الزخرف، الآيات: ٢٦، ٢٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>