قَالَ: فَوَاللهِ لكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ (١) حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، يَقُولُونَ: يَا لَبَّيْكَ (٢)، يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ، وَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ، فَنَادَتِ الْأَنْصَارُ، يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ قَصرَتِ الدَّاعُونَ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَنَادَوْا يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، قَالَ: فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ (٣) "، قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: "انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ"، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِحَصيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا (٤)، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا (٥)، حَتَّى هَزَمَهُمُ اللهُ، قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يرْكُضُ خَلْفَهُمْ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَزْهَرَ يُحَدِّثُ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَوْمَئِذٍ كَانَ عَلَى الْخَيْلِ، خَيْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ ابْنُ أَزْهَرَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَمَا هَزَمَ اللهُ الْكُفَّارَ، وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى رِحَالِهِمْ (٦)، يَمْشِي فِي الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُولُ: "مَن يَدُلُّنِي عَلَى رَحْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ"؟ فَمَشَيْتُ، أَوْ قَالَ: فَسَعَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنَا غُلَامٌ مُحْتَلِمٌ أَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى رَحْلِ خَالِدٍ؟ حَتَّى دُلِلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا خَالِدٌ مُسْتَنِدٌ إِلَى مُؤَخِّرَةِ رَحْلِهِ (٧)، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَنَظَرَ إِلَى جُرْحِهِ.
(١) العطف: الميل. (انظر: التاج، مادة: عطف).(٢) لبيك: من التلبية، وهي: إجابة المنادي، أي: إجابتي لك، أي: إجابة بعد إجابة، وقيل: اتجاهي وقصدي إليك، وقيل غير ذلك. (انظر: النهاية، مادة: لبب).(٣) حمي الوطيس: كناية عن شدة الأمر واضطرام الحرب. (انظر: النهاية، مادة: حما).(٤) الكليل: السيف إذا لم يقطع. (انظر: النهاية، مادة: كلل).(٥) أمرهم مدبرا: حالهم ذلِيلا. (انظر: المرقاة) (١٠/ ٢١١).(٦) الرحال: جمع رحل، وهو: السكن والنزل. (انظر: النهاية، مادة: رحل).(٧) آخرة ومؤخرة الرحل: الخشبة التي يستند إليها الراكب على البعير. (انظر: النهاية، مادة: أخر).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute