وقال الجاحظ: ليس جهد البلاء مد الأعناق وانتظار وقع السيف؛ لأن الوقت قصير، والحس مغمور، لكن جهد البلاء أن تظهر الخلة، وتطول المدة، وتعجز الحيلة، ثم لا تعدم صديقًا مؤنبًا، وابن عم شامتًا، وجارًا حاسدًا، ووليًا قد حول عدوًا، وزوجة مختلفة، وجارية مستبغية، وعبدًا يحقرك، ووليًا ينتهرك.
وقال: إذا سمعت الرجل يقول: ما ترك الأول للأخير شيئًا، فاعلم أنه ما يريد أن يفلح.
وقيل: إن الجاحظ خدم في ديوان الرسائل أيام المأمون ثلاثة أيام، ثم استعفى فأعفي.
حدث أبو العيناء قال: كان لي صديق، فجاءني يومًا، فقال لي: أريد الخروج إلى فلان العامل، وأحببت أن تكون معي إليه وسيلة، وقد سألت من صديقه، فقيل لي:
أبو عثمان الجاحظ، وهو صديقك، وأحببت أن تأخذ لي منه كتابًا بالعناية، قال:
فصرت إلى الجاحظ، فقلت له: جئتك، مسلمًا وقاضيًا للحق، ولي حاجة لبعض أصدقائي وهي كذا وكذا. قال: لا تشغلنا الساعة عن المحادثة وتعرف أخبارنا إذا كان في غد وجهت إليك بالكتاب فلما كان من غد وجه إليه الكتاب، فقلت لولدي: وجه هذا الكتاب لفلان ففيه حاجته فقال لي: إن أبا عثمان بعيد الغور، فينبغي أن نفضه، وننظر ما فيه، ففعل، فإذا في الكتاب:«هذا كتابي مع من لا أعرفه، وقد كلمني فيه من لا أوجب حقه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذمك». فلما قرأت الكتاب، مضيت إلى الجاحظ من فوري، فقال: يا أبا عبد الله قد علمت أنك أنكرت ما في الكتاب، فقلت: أو ليس موضع يكره فقال: لا هذه علامة بيني وبينه فيمن أعتني به، فقلت: لا إله إلا الله ما رأيت أحدًا أعلم بطبعك ولا ما جبلت عليه من هذا الرجل، علمت أنه لما قرأ الكتاب، قال: أم الجاحظ عشرة آلاف قحبة، وأم من يسأله حاجة، فقلت له: ما هذا أتشتم صديقنا؟ فقال: هذه علامتي فيمن أشكره، فضحك الجاحظ، وحدث بذلك الفتح بن خاقان، وحدث الفتح المتوكل، فذلك كان سبب اتصالي به، وإحضاري مجلسه.
ومن كلام الجاحظ: احذر من تأمن؛ فإنك حذر على من تخاف.
وقال: أجمع الناس على أربع: أنه ليس في الدنيا أثقل من أعمى، ولا أبغض من أعور، ولا أخف روحًا من أحول، ولا أقود من أحدب.
قال: أربعة أشياء ممسوخة: [أكل الأرز البارد]، والنيك في الماء، والقبلة على